|
||
|
|
||
|
تستند شبكة البحث حول "العلم والدين في الإسلام" إلى جهود مجموعة من الأكاديميين المسلمين، الذين انتظموا في إطار فريق عمل عالمي يسعى لرصد الأفاق المشتركة بين "العلم والدين"، وذلك انطلاقا من اختصاصات علمية مختلفة.
ويطمح مشروع الشبكة إلى الإسهام في التأسيس لديناميكية بحث، تسعى للإبحار باتجاه أفق مزدوج :
أفق "عقلانية" منفتحة على مختلف الإشكاليات الميتافيزيقية، والروحانية/ أو الثيولوجية من جهة، وأفق مستند إلى التجربة الروحانية ذاتها، وللوعي الديني؛ في سياق الحالة الذاتية الداخلية المنفتحة على جملة القضايا الفلسفية المتولدة عن نتائج البحث العلمي المعاصر.
ونحن قد اخترنا هذا المنهج المزدوج الأفق، الذي يجمع بين العلم والدين في نفس السياق البحثي، لإيماننا بتكامل البعدين في النظر لذات الحقيقة، وأن ثمة الكثير مما يمكن للعلم أن يستفيده من الدين، أو للدين أن يستفيده من العلم في هذا السياق. إلا أن هذا التوجه ذاته يشترط، ومنذ البداية وضوحا كبيرا في النوايا وصرامة شديدة في المنهج في آن. أما اعتماد المجاورة الوهمية، والتوافق الخادع في عرض معطيات التراث الديني ومعطيات العلم الحديث، فهو يؤدي إلى خيبة أمل كبيرة. لأن عدم احترام خصائص كل من المجالين، وعدم الإقرار بتفرّد مبادئ كل منهما في إدارة تحركه الخاص، تمنع في الواقع من تحقق تماسّ أو تكامل حقيقي بين العلم والدين.
إننا، وبعكس القراءة السائدة في العالم الإسلامي، لا نعتقد بإمكانية حوار مباشر في الوقت الراهن بين هذين الفضاءين. إذ إن طبيعة العلاقة بينهما تستوجب بحسب قناعتنا المرور عبر عملية تفكّر "باطني" ذي طبيعة فلسفية ودينية/ روحانية.
والسؤال الذي يجب أن يفرض نفسه أمام إي محاولة في هذا الاتجاه هو: ما الذي يختص به العلم و يملك إمكانية طرح حوارًا بنّاءا مع الدين الإسلامي؟ وما الذي بداخل الدين الإسلامي يمكن أن يحاور بشكل مثمر مجال العلم؟
والمقصود بمفهوم " الإسلام" هنا لا يقتصر على المكوِّنة الدينية بحد ذاتها. فنحن في سعينا على تشجيع تبلور حوار جدي بين العلم والدين في المقاربة الإسلامية، نحتاج للاستناد إلى مجمل الأبعاد التي أنتجها التراث الحضاري الذي تشرّب من هذا الدين. ولعل هذا هو أحد الأسباب التي جعلت من فريق بحثنا لا يضم في صفوفه علماء رياضيات وفيزيائيين أو علماء فيزياء فلك فحسب، بل ويجمع أيضا علماء دين ومؤرخين وفلاسفة.
حيث إن المقاربة المتعددة الاختصاصات تمثل بذاتها بُعد على غاية من الأهمية في عملنا: أي الربط بين النتائج التي يتوصل إليها كل واحد من هؤلاء مع الاحترام الصارم للقواعد الخاصة بعمل كل اختصاص.
وفق هذا المعنى فإن موقعنا الإلكتروني "علم-إسلام. نت" يطرح نفسه كمساحة للتبادل المعرفي، والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى تفعيل الآليات الضرورية للبعث بحداثة علمية إسلامية فعلية، تتجذِر في تربة القيم الفكرية والروحية والأخلاقية.
ويهدف موقعنا هذا عبر أبوابه المختلفة: (مقالات-دراسات / أخبار / إحالات بيبليوغرافية / ....) إلى توفير أكبر عدد ممكن من الأدوات والمفاهيم والمناهج والرسائل الجامعية والهياكل التي تساهم في هذا "التجديد"، أو بالأحرى في "إعادة إحياء" الفكر الإسلامي، بالاعتماد على فهم عميق للرهانات والممارسات العلمية المتبعة في المجال العلمي للقرن الواحد والعشرين.
|
||
|
النقاشات الراهنة حول العلم والدين في الإسلام
حوار الحضارات
تاريخ الفلسفة والفكر الإسلامي
مبحث تاريخ العلوم في الفضاء العربي /الإسلامي
إشكاليات العلم الراهن
علم الكونيات
علوم الحياة
العلوم الطبيعية
العلوم الانسانية
الحوار بين العلم والدين في سياق النقاشات الراهنة الأخرى
الحوار من وجهة نظر خبراء العلوم
الحوار من وجهة نظر الفلاسفة واللاهوتيين
الحوار من وجهة نظر المسيحية
الحوار من وجهة نظر البوذية
|
"التصميم" ("الصنع") و"المبدأ الإنسي" في التراث الإسلامي
عودة فكرة "التصميم" قبل
نهاية القرن
العشرين، نجح
العلم الحديث
في فرض
المادية على
مفهومنا
للعالم وفرض
العلماء التخلي
عن فكرة "التصميم"
« design »
الإلهي
للطبيعة (للأجسام
وترابطاتها) وفكرة
"المشروع"
المسطر أو الهدف
الذي وجّه الكون
نحوه. ولكن
مفهوم
"المادية" في
العلوم ظل
مبهما، فأحيانا
يشير إلى
مادية منهجية،
أي أن تفسير
ظواهر العالم
ينبغي أن يقوم
على أسس "طبيعية"
فقط ويقتصر
على قوانين
المادة، وأحيانا
كان ذلك
المبدأ يشير
الى المادية
الفلسفية وحتى
الإيديولوجية،
أي أن العلم
بمبادئه و
تفسيراته،
يستغني عن أي اعتقاد
ميتافيزيقي. ومن
جانب آخر، فإن
الثورة الكوبرنقية،
التي نقلت في
بادئ الأمر
مركز العالم
من الأرض إلى الشمس
وأعلنت أنه لا
توجد أي نقطة
مركزية في
الكون، هذه
الفكرة تحوّلت
تدريجيا إلى
"مبدأ الرداءة"
بالنسبة
لمكانة
الإنسان في
الكون. وفى
الوقت نفسه،
فإن التحقق (خاصة
خلال القرن
العشرين) من الحجم
الهائل للكون أقنع
الناس أن
الإنسانية تمثل
ذرة من
الغبار، ربما زائلة،
في هذا الشاطئ
الواسع لما هو
موجود. لقد تم إخراج
أجيال من
العلماء
والفلاسفة
والمربين في
يقين أن العلم
قد أثبت "الحقائق"
التالية: (1) ما الكون
إلا مادة ؛ 2) يسير
العالم بدون
هدف؛ 3) يستبعد المنهج
العلمي أي مبدأ
تصميمي (إلهي)،
4) ليس للإنسان
أية أهمية في الإطار
العام. قليلون
هم المفكرون
الذين تجرؤوا قبل
العقدين
الأخيرين على
معارضة هذه "الأسس"...
وفي هذا
السياق وهذا التطور
التاريخي،
فإن ظاهرة إعادة
النظر في رؤية
العالم هذه
ينبغي اعتبارها
كظاهرة مهمة
للغاية. فقد
شهدنا مؤخرا
ظهور "المبدأ
الإنسي" بقوة،
هذا المبدأ الذي
يعتبر الإنسان
ظاهرة مسطرة
في التطور
الطبيعي للكون
أو على الأقل
متضمنة في أسس
الكون، الذي
كان ممكنا بل
محتملا جدا أن
لا يتناسب مع
ظهور الحياة.
ثم شاهدنا أيضا
العودة إلى
حجة التصميم،
هذه الحجة - أو
"الدليل" – على وجود
خالق للعالم
التي كانت
سائدة حتى
القرن الماضي
وكان يُعتقد
أن العلم
والفلسفة
الحديثة قد
أزاحاها إلى
الأبد. وفي
الآونة
الأخيرة ظهر جدل
"التصميم
الذكي"، حيث بلغ
الإصرار على
فكرة التصميم أقصاه،
أي لغاية
محاولة إثبات حالات
لتصميم إلهي
مباشر لبعض
الأجسام
ووظائفها، وسوف
نعود في مقالتنا
هذه بشيء من
التفاصيل الى
كل هذه الأفكار.
الآن، حتى
لو كنا لا
نتفق مع كل
هذه التوجهات،
فإن هذه التحليلات
ذات أهمية
قصوى، لدرجة
أنه ينبغي على
المسلمين أن يحاولوا
تحليلها بعناية
لينظروا الى
أي درجة يمكن
لرؤيتهم (الإسلامية)
للعالم worldview أن تتفق مع
بعض هذه التصورات
الجديدة للعالم.
ونحن هنا نحاول
التبيين أن
المسلمين
يمكن أن يجدوا
نقاط مشتركة
مع هذا
الاتجاه
الجديد، الذي
يحاول يطريقة
أو بأخرى العودة
إلى "حجة
التصميم". قبل محاولة
إيجاد هذه
النقاط
المشتركة،
يجب علينا ليس
فقط إبلاغ
القارئ حول
هذه المبادئ،
القديمة أو
الجديدة،
ولكن وخاصة معرفة
ما إذا وُجد
ما يعادلها في
التراث الإسلامية
(التي نضعها
في صيغة الجمع
لتبيين كثرتها
وتنوعها). والواقع
أنه ليس من
الصعب أن نوضّح
أن "المبدأ الإنسي"،
على الأقل في صيغته
الأكثر تقنية
(والأكثر دقة) المدعوfine
tuning (التكيف
الدقيق)، المبدأ
الذي أصبح
اليوم مشهورا
جدا ومثيرا
للجدل في
الغرب، هو غير
معروف إلى حد
كبير ويُساء
فهمه على نطاق
واسع بين الكتاب
المسلمين. أما
بالنسبة
"لحجة
التصميم"، فمن
المهم أن نقول
في البداية إنها
كثيرة
التواجد في التراث
الإسلامي،
الكلاسيكي والحديث،
لدى الفلاسفة كما
عند علماء
الدين، وهذا
شيء لا يكاد المفكرون
الغربيون أن
يعرفوه إطلاقا.
وأخيرا،
نشير الى أن
جدل "التصميم
الذكي" لم يلق سوى
صدى ضعيفا في
العالم
الإسلامي، ويبدو
أن قليلين جدا
من فهموا
الرهانات
الحقيقية حول المسألة،
ناهيك عن
الموقف الذي
يجب أن يتخذه
الإسلام
اتجاه هذا
الموضوع، وكل
ذلك سنحاول
توضيحه في هذه
المقالة.
هل
تعتبر هذه المواضيع
هامة لإسلام
اليوم؟ سنرد بالإيجاب
وبشكل قاطع، حيث
يبدو لنا أن
هذه القضايا
هي في صلب
النقاش بين الإيمان
والعقل (أو
العلم) في
الإسلام
المعاصر. فمن
الواضح أن هذه
المواضيع تهم
كل من العلم، الفلسفة
وعلم الكلام،
ومن الضروري
والمهم أن
يبدأ علم
الكلام الإسلامي
بالتفاعل
بقوة أكبر مع
العلم
والفلسفة
الحديثة. إن هذا التعبير
عن حاجة
الاهتمام بالعلم
الحديث في علم
الكلام الإسلامي
هو جزء من
برنامج تجديد
الإسلام، على
الأقل بالنسبة
لبعض المدارس
الحديثة. كانا
الإصلاحيون
المسلمون في القرن
التاسع عشر
والعشرين، شديدي
التمسك بالعلم
والحداثة،
ولكن تم في
العقود
الأخيرة تهميشهم
وتجاهلهم إلى
حد كبير،
ويبدو أن فكرهم
قد أغرقته
التأكيد
المبالغ فيه
على الجانب
الإيماني
المحض، وهو النهج
الذي أصبح
سائدا اليوم.
ومن المفارقة
أن نلاحظ أن
فكرة
"الأدلة" حول
وجود الله قد
نوقشت بتوسع وتطورت
خلال الفترة الذهبية
للإسلام،
ولكن مثل هذه
الأسئلة قد تم
تناسيها إلى
حد كبير في
القرون
الأخيرة،
بينما كان
الإلحاد شبه
غائب خلال
العصور
الوسطى، خلافا
لما هو عليه اليوم. وأخيرا،
فإن مناقشة "التصميم"
و"المبدأ
الإنسي" يضطرنا-
مبدئيا – للاهتمام
بمبادئ
التطوّر (الفيزيائي
والبيولوجي
في الكون وعلى
الأرض) والبحث
في مواقف
المسلمين
منها اليوم،
ومحاولة بلورة
منقف إسلامي مُتماسك... لمحة
عامة عن حجة التصميم
إن الفكرة
القائلة بأن
العالم
(الطبيعة
والبشر) يُمثل
علامة واضحة عن
تصميم "أعلى"،
وأن ذلك يُشير
إلى خالق، قد
تطورت قالت بها
العديد من
الحضارات منذ
عصور. إن ملاحظة
تصميم معيّن وما
يستنتج منها
من وجود خالق
وراء هذا،
يطلق عليها عادة
تسمية "حُجة
التصميم". وهناك
فكرة مُرتبطة
بها ارتباطا
وثيقا ولكن مختلفة
تماما، هي
"حجة الغائية"،
التي تنص على أنه
يمكن الملاحظة
أن العالم
ومخلوقاته يحملان
خصائص تتجه
نحو هدف أو
غاية (telos)، وكأن
هناك خطة قد
تمّ وضعها
ويجري
تنفيذها من
خلال هذا البناء
(التصميم)
الرائع. تظهر
هذه الحجج بشكل
أو آخر في التراث
الإسلامي،
ابتداء بالقرآن
نفسه ووصولا
الى كتابات
المسلمين في
القرن الواحد
والعشرين،
بما في ذلك
التراث
الفلسفي وعلم
الكلام في العصر
الذهبي للحضارة
الإسلامية، بما
في ذلك خاصة مساهمة
شخصيات فكرية كبيرة
من مثل الكندي،
وابن سينا، والغزالي
وابن رشد. وللأسف،
يبدو أن
هذا التقليد
الثري غير
معروف تماما
اليوم، من قبل
المثقفين الغربيين
وكذا من قبل معظم
المسلمين. ولإعطاء
بعض الأمثلة السريعة
والمعبرة، يُمكن
أن نذكر مقالين
صدرا حديثا، أرادا
تقديم تاريخ (موجز)
لحجة التصميم
( (“The
Argument from Design: what is at stake
theologically?”
لآنا
كيز- وينترز[1]،
و (“The
Argument from Design: A brief history”) لمايكل
روز[2]، لم
يشيرا لرأي المفكرين
المسلمين حول
هذا الموضوع،
وقفز كلاهما مباشرة
من
اليونانيين والرومان
إلى توما
الأكويني... و كتبت
كيز-وينترز: "لقد
أُعيد اكتشاف الفلسفة
والعلوم
الكلاسيكية
المفقودتين
منذ زمن طويل
من جديد في
القرن الثالث
عشر، فظهرت
حجة التصميم
مُجددا... وأخذت
صيغتها
الكلاسيكية"،
وكلتا
الفكرتين
خاطئتان
تماما... والواقع
أننا نجد العديد
من الأمثلة حول
وجود هذه
الحجة في التراث
الإسلامي،
بيد أنه علينا
أن نشير أنه
على الأقل
خلال العصر
الذهبي
للحضارة
الإسلامية،
احتلت حجتا التصميم
والغائية مكانة
صغيرة نوعا ما
في الخطاب
الفكري
للنخبة
الإسلامية، إذ
كثيرا ما اعتبرت
مثل هذه الحجج
تبسيطية
ومُوجهة للعامّة
أكثر مما هي
موجهة للفلاسفة.
وحتى عندما
كانت كثيرة التداول،
بشكل صريح
أو ضمني، فإن
حجة التصميم
لم تتطور بشكل
كبير، كما حدث
في التراث
الغربي لاحقا،
حتى وإن قُدمت
لها في بعض
الأحيان
صياغات واضحة
إلى حد ما، مُماثلة
لقياس "الساعاتي"
الذي سوف نعود
إليه لاحقا. وفي
الآونة
الأخيرة، بدأ المسلمون
في استخدام
لحجة التصميم بشكل
قسري ومتزايد (مثل
هارون يحيى -
انظر لاحقا) ويبدو
أن هذا الطرح لم
يتأثر كثيرا بالثورة
الدارونية. في
التراث
الكلاسيكي
للفلسفة
الإنسانية (التراث
المسيحي
والإسلامي،
بصورة خاصة)، عادة
ما تقسم الحجج
المتعلقة بوجود
الله، الى
ثلاث إلى خمسة
فئات (حسب المراجع):
(1 الحجة
الكونية؛ (2 الحجة
الوجودية؛ 3)
حجة التصميم /
الغائية؛ 4) حجة
(الشعور بـ)
الأخلاق
الداخلية؛ 5)
حجة التجربة
الروحية. إن
الحجة
الكونية،
التي أول ما
قدمت من طرف أرسطو
واعتمدتها في
وقت لاحق بعض الشخصيات
الفلسفية ومن علم
الكلام الأكثر
شهرة عبر التاريخ
(الكندي، ابن
رشد، توما الاكويني،
وغيرهم) يمكن
عرضها في عدة
صيغ، بما في
ذلك صيغة "السبب
الأول" و "المحرك
الأول". تقول هذه
الحجة إن
وجود الأشياء
يمكن العودة
بها من أصل
إلى أصل آخر
ومن سبب إلى
سبب، ولكن هذه
السلسلة لا
يمكن أن تستمر
إلى ما لا
نهاية، ويجب
أن تتوقف عند
"السبب
الأول"، أي
عند الله
الخالق. الحجة
الثانية
وجودية، وقد
تمت صياغتها
من طرف
المفكرين
أنسيلم
وديكارت، على
أن تكون دليلا
"منطقياً" كالتالي:
يمكننا تصور
وجود إله خالق
هو، في
أذهاننا، أكبر
كائن يمكن تصوره؛
ثم يمكن لهذا
المفهوم إما
أن يوجد حقا
في الحقيقة أو
أن لا يوجد
إلا في
أذهاننا، ولكن
من الواضح أنه
بالضرورة
أكبر إن وجد
في الحقيقة من
لو كان يوجد فقط
في أذهاننا، وبحكم
تعريفه أنه
أكبر ما يوجد،
فإنه يترتب
على ذلك أنه
يجب أن يوجد
حقاً. والحجة
الثالثة
تقليدية، وهي
أبسط حجة عن وجود
الله، إذ تأكد
ببساطة أنه من
المستحيل ملاحظة
كل هذا الخلق
البديع، هذا
الوجود المُتناغم
للأشياء والأعضاء
والأجسام، وعلاقاتها
وترابطها المُحكم،
دون أن نستنتج
أن خالقا ذكياً
للغاية وقوياً
للغاية هو سبب
كل ذلك. الحجة
الرابعة
ترتكز على
فكرتين متقاربتين
جدا: الأغلبية
الساحقة من البشر
تشعر من ناحية
بوجود "قانون
أخلاقي" بداخلهم،
ومن جانب آخر مقتنعة
بضرورة
انتصار الخير
في النهاية، الشيء
الذي غالبا ما
لا يتحقق على
الأرض، أي في
هذه الحياة.
من خلال هذه
الاستنتاجات
تخلص الحجة
القائلة
بوجوب وجود إله
يعطي معنى ومغزى
لهذه الأبعاد
الأخلاقية
والمعنوية في حياتنا.
آخر
حجة تُعلن عن وجود
الله، تقوم على
أساس نوع آخر من
الملاحظة وهي
التجربة
الدينية/
الروحية، المنتشرة
على نطاق واسع
لدى البشر. ويُشير
هذا، في رأي
البعض، إلى
وجود مصدر إلهي
لمثل هذا
النبع الروحي. لنركز
بالتحديد على
حُجة التصميم.
أولا نلاحظ
أنها تطوّرت
وقد عرفت عدة
صيغ وراجت
كثيرا قبل
ظهور نظرية
داروين
للتطور،
النظرية التي
قضت تقريبا
على هذه
الحجة، على
الأقل حتى عودتها
مؤخرا.
لنستعرض
بسرعة تلك
الصياغات
المختلفة
التي أعطيت
لهذه الحجة: 1) الصياغات
الأصلية
لليونانيين،
2) "النهج
الخامس" لتوما
الأكويني، 3)
حجة القياس البسيط،
4) قياس الساعاتي
لـ"بالي" Paley؛ 5) حجة التطور
المُوجه؛ 6)
حجة التكيف
الدقيقfine
tuning الذي
غالبا ما تُربط
بالمبدأ
الإنسي؛ 7) فرضية
"التصميم
الذكي"، التي
تتألف بدورها من
حجتين: أ)
التعقيد
الكيميائي
الحيوي غير
القابل
للاختزال، ب)
المعلومة
البيولوجية
المحددة. لنبدأ بالصيغ
القديمة لحجة التصميم
من قبل
المفكرين
اليونانيين. تستشهد
كيز-وينترز بسيسرو
من خلال كتابه
"طبيعة
الآلهة"، حيث يعرض
حجة الغائية
عند
الرواقيين: "عندما
نرى حركية (في
الطبيعة)، كنموذج
عالمي أو مثل
الساعة، هل يُمكن
أن نشك في أنه من
عمل ذكاء
إلهي؟" والحجة
المعارضة،
التي تقدمت بها
الجماعة الأبيقورية
والذري لوقرس،
مذكورة أيضا، إذ
كتب سيسرو: "صنع
العالم عن
طريق عمليات
طبيعية دون
الحاجة إلى
وجود الخالق... كانت
الذرات تتجمع
وتبقى مترابطة
من خلال الانجذاب
المُتبادل". وكان
لوقرس يعتقد
أن العالم مصنوع
بشكل "سيء"... وقد أُعجب
أفلاطون بالأهداف
والغايات
التي تُبديها
الأشياء
والظواهر، ويذكر
على سبيل
المثال نمو
البشر (لماذا
يجب على
الأجسام
الحية أن
تنمو؟) وفي
رأيه أن "الروح
الآمرة" قد وضعت
كل شيء في أفضل
موقعه، وإذا
أردنا أن نفهم
شيئا، كل ما نحتاج
إليه هو البحث
على أفضل مكان
له في الطبيعة. أما
بالنسبة
لأرسطو، مع
أنه كان يعتقد
بوجود الإله
أو الآلهة،
عرض وأصر على "الأسباب
النهائية" كمبدأ
تسير عليه
ظواهر
الطبيعة. وهذا
التمييز بين وُجهات
نظر الفيلسوفين
الكبيرين هو
السبب في أن غائية
أفلاطون
كثيرا ما تُوصف
بأنها
"خارجية" (أي
أن التركيز هنا
على الخالق كـ"مُصمم")،
في حين أن
غائية أرسطو تُعتبر"داخلية"
(أي أن
التركيز على
المبدأ الذي
يحكم عمليات
وظواهر
الطبيعة). لنقفز
الآن فوق
مساهمات
المفكرين
المسلمين الكلاسيكيين
في صياغة هذه
الحجة، بما
أننا سنخصص
لهم جزءا كبيرا
من هذه
المقالة لاحقا. من أهم
مفكري القرون
الوسطى، توما
الاكويني، الذي
كان متشربا بالكتاب
المقدس[3]
ولكن أيضا على
وعي تام يالخطابات
الفلسفية السابقة
(اليونانية
والإسلامية
والمسيحية)، وأنتج
صياغة متينة "للأدلة"
الغائية (لوجود
الله). واعتبر أنه،
بما أننا نرى الكثير
من الأجسام
الطبيعية تتجه
"في سلوكها"
نحو "أهداف"،
في حين أن هذه
الأجسام هي
خالية من
المعارف أو الذكاء،
يجب بالضرورة
أن تكون مُوجهة
نحو ذلك عن
طريق كائن ذكي
"مثل السهم
الذي يرميه
نبّال". أما
حجة التصميم
من خلال "قياس
بسيط" فقد وضعت
في القرنين السابع
عشر والثامن
عشر من طرف كل
من
جون راي[4]، وريتشارد
بنتلي[5]، ووليم
ديرهام[6].
واستندت هذه
الحجج أساسا
على ملاحظات
الطبيعة ولكن
أيضا على التطورات
العلمية في
زمنهم (جاذبية
نيوتن، الخ). وأكدوا
أن من خصائص
العالم والأجسام
الحية وغير
الحية، بما في
ذلك على سبيل
المثال العين،
والأذن، والجهاز
الهضمي،
ومدارات
الكواكب، الخ.،
كل هذا يدّل
على الكمال ويشير
إلى وجود مُصمم
ذكي. أما قياس
الساعاتي[7] الذي
قدمه وليام بيلي
Paley فكان مُماثلا
لتلك الحجج
السابقة ولكنه
قدم طرحا أكثر
تطورا مقارنة
بمنطق "القياس
البسيط". فقد قام
بيلي بأول
محاولة
لتحديد ما
يمكن اعتباره
مؤشرات واضحة لتصميم
دقيق في
الساعة (كمثال
على آلة مُعقدة)،
ويلخصها كما
يلي: 1) أنها تؤدي
وظيفة محددة، مما
يُعطيها قيمة
معيّنة، 2) أن
هذه الوظيفة
لا يمكن أن تتم
إذا كانت
أجزاء منها أو
إذا كانت الآلة
قد ركبت بشكل
مختلف. ويقوم بيلي
إذن بالاستدلال
التالي: Ø تبدي
الطبيعة نفس
النوع من التعقيد
الوظيفي مثل الساعة
؛ Ø يجب
أن يكون هناك
سبب أو تفسير
لهذه الحقيقة
؛ Ø تفشل
كل التفسيرات
في هذا الصدد
؛ Ø التفسير
المنطقي
الوحيد المقبول
لدينا هو وجود
مصمم ذكي: الله. ينبغي
أن نلاحظ مع
ذلك، أن حجة بيلي،
اعتبرها منتقدوه
على الفور كمجرد
قياس ولا ترقى
الى مستوى الدليل،
فصحتها
وقوتها تبقى
غير مؤكدة بل ضعيفة،
إذ تعتمد كثيرا
على درجة الإقناع
التي يُمكن أن
تقوم بها هذه
الاستعارة
على عقول
الناس وعلى مستوى
طرح هذا
القياس (الإشارة
إلى آلة، أو
الى حيوان، الخ.).
والأهم من ذلك
أنه يجب أن
نؤكد أن هذه
الحجة تلقت
ضربة مُحبطة
من قبل نظرية
داروين
للتطور، من
حيث أنها قدمت
تفسيرا
للتعقيد
الوظيفي للأعضاء،
مزيحة
بذلك القاعدة
الأساسية (النقطة
الثالثة
أعلاه) في
تعليل بيلي. وصحيح
أيضا أن طريقة
التفكير هذه،
قد سخر منها الفيلسوف
هيوم من حيث حججها
الفلسفية
والطبيعية
على حد سواء؛ فقد
أظهر هذا
الأخير أن
المباني "الجميلة"
أو "المجيدة"
لا تعني
بالضرورة أنه
تمّ صُنعها من
قبل خالق، عالم
بكل شيء وكامل،
لأن الطابع "الرائع"
المُلاحظ في
هذه البناية
قد يكون نتيجة
للعديد من
التجارب السابقة
التي كانت
أبعد ما تكون
عن المجد،
والتي استفاد
منها الحرفي فأدخل
تحسينات على عمله[8]. إضافة،
جعل هيوم مسألة
وجود الشر والآلام
في العالم حجة
معاكسة، وسأل
بحدّة عن
الغرض الذي أراده
الإله من جراء
هذه المعاناة
وهذا القتل. ثم
جاء تشارلز
داروين، الذي
أظهر أن هناك
تفسيرا طبيعيا
للأجسام
الحية
المعقدة في
الطبيعة. من
خلال تقديم كل
من برنامج عام
(التطوّر) وآلية
(الانتقاء
الطبيعي)،
أظهر داروين
أن العديد، إن
لم تكن كل الخصائص
المُلاحظة
لدى كافة الكائنات
الحية، يمكن
أن تُفسر بشكل
طبيعي وبسيط
الى حد ما. لم يتقبّل
الجميع نظريته،
إلا أن المبدأ
والبرنامج
العام قد اعتُمد
بسرعة في تفسير
العالم من طرف
العلماء
والفلاسفة
وجزء كبير من
رجال الدين المسيحيين. وكان
من الواضح مع
ذلك أن الآلية
المُتعلقة بظهور
الخصائص البيولوجية
الجديدة، قبل
أن يحدث
الانتقاء
الطبيعي، كانت
(الآلية) غير
معروفة، وبالتالي
تركت النظرية ضعيفة
الى حد ما. إلا
أنه مع اكتشاف
قوانين مندل
للوراثة، و في
وقت لاحق الدور
الذي تقوم به
طفرات
الجينات في
ظهور سمات جديدة،
أصبحت نظرية
داروين صلبة، قد
نقول مثل
نظريات نيوتن
أو آينشتاين. ولكن
منذ ظهورها، كان
لنظرية
داروين، أثر
واضح على حجة "التصميم".
حتى أن داروين
نفسه كان
منزعجا جدا من
الآثار المُترتبة
على اكتشافه، فمن
ناحية كان يرى
التعقيد والجمال
"في هذا
العالم الرائع،
ولا سيما
طبيعة البشر" (كلماته)
كما وجد صعوبة
في تقبل الطابع
العشوائي لتطور
العالم، ومن
ناحية أخرى لم
يستطيع تصوّر أن
مبدأ "التصميم"
ينطبق على كل
شيء من حولنا،
وأخيرا لم يكن
باستطاعته الربط
بين البؤس
والشر السائدين
في العالم والاعتقاد
بوجود تصميم إلهي
له. ويصل إلى
حل وسط حيث يخلص
إلى أن "خصائص
الطبيعة يمكن
أن تُفسر على
أساس قوانين موضوعة
مُسبقاً، لكن التفاصيل،
سواء كانت
جيدة أو سيئة،
غير محددة ومتروكة
للصدفة". ولكن
حتى هذا الحل
الوسط لم يكن
راضياً عنه
كلية، وهذا ما
جعله يقول بأن
"المسألة برُمتها
أعمق جدا من
أن يستوعبها
العقل البشري". حجة "التطور
المُوجه"، أو
ما يسمى غالباً
"التطور الإيماني"
هي محاولة من
جانب المفكرين
المؤمنين
لهضم الثروة
الدارونية و
إدماجها في
رؤية للعالم قائمة
على مبدأ التصميم.
هذه النسخة "المُوجهة"
للتطور، تقترح
أن الله قد وضع
بذكاء صيرورة
عامّة انبثق
عنها كل هذا
التنوع
المجيد،
وديناميكية الطبيعة.
ويؤكد
هذا الطرح على أن
الوسائل
(الطفرات،
الانتقاء
الطبيعي) التي
وبفضلها قامت عملية
التطور بهذا
العمل (إخراج
مختلف
الكائنات) لا
تلغي وجود مُخطط
خفي من الآليات
للتوجيه،
يتأكد من
خلاله الله أن
كل مخلوق أو جسم
قد بلغ هدفه.
أول الدعاة لهذا
الرأي كان
فردريك روبرت تننت
Tennant[9]، الذي
اقترح أخذ مفهوم
التصميم بعين
الاعتبار من خلال
"نوعية عملية
التطور" وليس
من خلال التعقيد
الوظيفي
للكائنات. لقت فكرة
التطور الإيماني
هذه المزيد من
الاهتمام في
الآونة الأخيرة،
خاصة بعدما
بدا أن الجدل حول
التصميم
الذكي يزيد من
التعارض بين أنصار
التطور والمفكرين
الإيمانيين.
حاول بعض علماء
الكلام المسيحيين
والفلاسفة
المعاصرين، أمثال
جون هوت Haught [10] وكيث
وارد Ward، التأكيد
على إمكانية
التوصل إلى حل
وسط. أولا،
قَبل هذا الفريق
تماما ودعم مبادئ
التطور بما
فيها دور
الصدفة، وطبعا
لم يقبل
الجانب المادّي
البحت للتطور.
في الواقع يرى
وارد بأن
التطور "يمثل الآن
سمة هامة من سمات
الكون الذي
نعرفه..."
ويضيف هوت: "إن
أي فكر ديني
بعد داروين
يجب أن يرى في
الرعاية الإلهية
تأثيرا " لطيفا"
في العالم، لا
قسري".[11] ويضيف
وارد: "لا يمكن
للتطور أن يكون
عشوائيا ببساطة
أو نتيجة
لحاجة عمياء.
ينبغي أن يكون
مختارا، وأن
يتم اختياره
من خلال وكيل
عاقل حتى
يُحقق، وربما
بشكل فريد من
نوعه، بعض
الخير المُمكن.
قد لا يقول
هذا الكثير عن
الآليات المُحددة
للتطور، لكنه
يقول شيئا
بالتأكيد عن
قيمتها، وهذا
يشير إلى أي
باب (أو أبواب) أو
هدف (أهداف)
الذي لا بد لهذه
العملية أن
تحققه و على البشر
أن يُساعدوها
على تحقيقه...
الاقتراح
الأكثر وضوحا هو
أن الصدفة أو
اللا-حتمية،
أي غياب السببية
الكافية،
ضروري، وإن كان
غير كاف
بالتأكيد . إن الصدفة
شرط لوجود
الاختيار
الحر و المسؤول
لكل ما أنتجته
عملية التطور".
وأخيرا،
وردا على الحجة
الرئيسية
التي قدمها
الملحدون بإن
عملية
التغيير
صدفوية وغير
واضحة الاتجاه
ولا تُظهر أية
خطة في
الخلق، فإن وارد
قلب الآية حيث
قال أن البيئة
هي التي تختار
الطفرات
"الناجحة"،
والبيئة تخضع لقوانين
الفيزياء، فالعملية
برمتها يمكن
أن تكون مُوجهة
من طرف الله. انفجرت
فكرة "التكيف
الدقيق" (Fine-tuning) على الساحة
العلمية
والفلسفية
والدينية، وتمت
صياغتها في "المبدأ
الإنسي"،
خلال الربع
الأخير من
القرن 20، عندما
اكتشف أن "نسيج
الكون
الأساسي" ومُكوناته
الأساسية (الجسيمات
الأساسية،
القوانين
الأساسية،
وما إلى ذلك) "مُعدة
بدقة" ومهيأة
لظهور الحياة الذكية
(البشر، بل
وربما أنواعا
أكثر تقدما) والوعي. إن
هذا الاكتشاف،
الذي يمثل صيغة
"التكيف
الدقيق" (Fine-tuning) للحجة، هو
الجانب
العلمي من
الحجة. ويتحول
إلى مبدأ
ميتافيزيقي،
فلسفي أو حتى
ديني، بالإلحاح
بأن مثل هذا
الإعداد للكون،
يجب النظر
إليه كتصميم سالف
للكون، أي
مخطط موضوع ("cosmic
blueprint"، بتعبير
الكاتب بول
ديفيس)، بحيث يتضمن
ليس فقط القواعد
ولكن الطريق إلى
التقدم المُؤدي
إلى الإنسان (ومن
ثم أطلقت
تسمية "إنسي"
على
المبدأ/الحجة)،
وهكذا بمثل
ذلك عودة
صارخة ليس فقط
للتفكير
الغائي
القديم ولكن للنزعة
الإنسية ما
قبل الكوبرنيكية.
فليس من المُدهش
أن هذه الحجة/المبدأ
قد خلقت ولا
تزال الكثير
من الجدل في
أوساط
العلماء
والفلاسفة. سنعالج
هذه الحجة في علاقتها
بالتراث والنظرة
الإسلامية
للعالم في جزء
مقطع لاحق من
هذه المقالة. وأخيرا،
فإن آخر صيغة
لحجة التصميم وأكثرها
تعسفا وإثارة
للجدل هي
فرضية
"التصميم
الذكي" (ت.ذ. Intelligent Design
ID). وكما
ذكرنا أعلاه،
تتألف هذه من حُجتين
أساسيتين، كل
واحدة منهما
تم تطويرها من
طرف أحد قادة
هذا التيار: أ)
حجة التعقيد
البيو-كيميائي
غير القابل
للاختزال،
التي وضعها
مايكل بيهيBehe[12]،
ب) حجة المعلومات
البيولوجية المضمنة،
التي طرحها
أساسا دمبسكي Dembski[13].
أكد بيهيBehe
عن
اكتشاف عددا
من الأنظمة البيو-كيميائية
التي يجب اعتبارها
كأنظمة "معقدة
بشكل لا يقبل الاختزال"،
بمعنى أن البروتينات
وغيرها من العناصر
فيها هي فرديا
بدون قيمة، ولكن
جماعيا تبني
جسما أو عضوا
ذا وظيفة
محددة، بل أكثر
من ذلك، فإن احتمال
تجميعها على
طريقة التطور الدارويني
صغير جدا فلا يشكل
تفسيرا
مقبولا
لوجودها. ومن
جهة أخرى فإن دمبسكيDembski
وضع
نهجا احتماليا،
يُحاول من
خلاله إثبات
أن مُحتوى المعلومات
في مثل تلك
الأجسام البيولوجية
لا يمكن
تفسيره إلا من
خلال فرضية
تصميم مباشر
(من طرف
"المصمم")
وليس عن طريق تطور
عشوائي. الحجج
العقلانية
لوجود الله في
الإسلام يمكننا
أن نجد نفس
الحجج لوجود
الله التي قدّمناها
في الجزء
الأول من هذا
المقال في التراث
الإسلامي،
مع ذلك فمن
الضروري أن
نُؤكد على أن
معظم هذه
الأفكار ظلّت
محصورة
تقريبا في
الأوساط
الفلسفية، في
حين أن قليل
من علماء
الكلام من
أثار مثل هذه
الحجج، إذ لم
يرو فيها إلاّ
القليل من الأهمية
أو الفائدة.
وأحد
التفسيرات
المُمكنة
لهذا الأخر هو
أن التراث الإسلامي
التقليدي قد
أصّر دائما
على أن وجود
الله بديهي،
كما ورد في القرآن
الكريم، وما
ينكر ذلك إلا العنيدين
المكابرون. ويجب
علينا أن
نلاحظ مع ذلك،
أن القرآن يصف
الحالة
الأولى من
التأمل
الفلسفي
والعقلاني للطبيعة،
تأمل سيدنا إبراهيم
(س) الذي لأراد
معرفة الله من
خلال الطبيعة[14].
في القصة، كما
يرويها القرآن
الكريم، يُشجع
الله إبراهيم على
ملاحظة
العالم واستعمال
ملكاته
العقلية، غير
أنه لا ينجح
في سعيه
العقلاني نحو
الله: "قَالَ
لَئِن لَّمْ
يَهْدِنِي
رَبِّي لأكُونَنَّ
مِنَ
الْقَوْمِ
الضَّالِّينَ"
(الآية 77 من
سورة الأنعام)
وتجدر
الإشارة، مع
ذلك إلى أن
القرآن يؤكد
على أن حجة التصميم
تُفيد لأغراض "تأكيدية"
لا "استنتاجية"... وفي
بحثه الشهير والرائد
حول الأدلة[15]
العقلية
الإسلامية حول
وجود الله، يشرح
ماجد فخري أن مثل
هذه الحجج الفلسفية
كان من الصعب
أن تظهر وتلقى
مُعالجة مُناسبة
قبل ظهور المُعتزلة على
الساحة
الفكرية[16]. منذ
البداية تساءل
الفلاسفة المسلمون:
هل يمكن إثبات
وجود الله، وبأي
طريقة؟ إن ابن
رشد (1126-1198)، وهو
ربما أعظم
الفلاسفة
المسلمين، يتعرض
للمسألة بشكل
منهجي في كتابيه
الرائعين: "فصل
المقال" و"الكشف
عن مناهج
الأدّلة"[17]. يرى
هذا الفيلسوف
الكبير أن العلماء
المسلمين (التقليديين)
قد عالجوا
المسألة بثلاث
طرق مختلفة تماماً:
1) التقليديون
رفضوا الحجج
العقلانية وقالوا
بأن الوحي والنصوص
الإسلامية المعتمدة
تُشكل دليلا
كافيا على
وجود الله؛ 2) الفقهاء،
الذين هم عادة
من الأشعريين،
3) الصوفية، وهم
أصحاب طريقة مختلفة
اختلافا
جذريا لأنها شخصية
لدرجة
عالية ولا
يمكن تقديمها
كمنهج، كما لا
يمكن رفض نتائجها
تماما... لنستعرض
الآن بإيجاز
الحجج
الرئيسية
الكلاسيكية لوجود
الله في
الإسلام. إن النسخة
الإسلامية للحجة
الكونية، المعروفة
باسم "دليل
الحدوث"، وتسمى
أحيانا "دليل
الجواز". فعلى
سبيل المثال،
فخر الدين
الرازي (1149-1209)، المُفسر
الشهير، والمتكلم
والفيلسوف،
لخّص أدلة
وجود الله
أساسا في
أربعة، ويمكن في
الواقع
اختصارها في
دليلين (كما يُصّر
ماجد فخري):
حجة "الحدوث" و
"الإمكان" (حول
إمكانية حدوث العالم). وتشمل نسخ
أخرى لنفس
الحجة مفهوم
"المحرك
الأول" و"الترجيح"،
أي "تحويل
الإمكان الى
وجود"، بمعنى
أنه قبل إنشاء
العالم كان
بإمكانه إما
أن يتحقق أو يبقى
غير موجود،
ولكن بما أنه
خُلق فهذا
يعني وجود "فاعل"
أو "عقل" لم يُقرر
فقط ذلك ولكنه
كان قادرا
أيضا على
تنفيذ هذا
القرار. تعود هذه
الصياغة الى الكندي
(805-873، أول
فيلسوف كبير
في الإسلام)، وهي
حجة عُرفت في
الغرب منذ ذلك
الحين "بالحجة
الكونية الكلامية"[18] (Kalam
Cosmological Argument). لكن في
العصور
الوسطى كثيرا
ما اعتبر دليل
الخلق الكوني
هذا ضعيفا، فقد
أصرّ ابن
ميمون (1138-1204) مثلا على
أن خلق العالم
من العدم (ex
nihilo)
غير صحيح، مما
يجعل دلالة
ذلك "الحدث"
(أو "الحدوث") غير
وارد.[19]
لا
نستغرب إذا ما
لاحظنا إذن أن
علماء الإسلام
التقليديين،
بمن في ذلك
الغزالي (1058-1111)، لم يروا
قيمة كبيرة في
مثل هذه الحجج،
وردوا بأنها تستند
كلية على فرضية
السببية، وهو
مفهوم كثيرا ما
كان يُعتبر من
قبل علماء الكلام
ضعيفا لكونه غالبا
نتيجة لوهم عقلي.
أما الحجة
الوجودية فيُمكن
العثور في التراث
الإسلامي على حجة
مماثلة لها في
أفكار ابن
سينا، ولكن
صياغة هذه
الحجة لم تكن (على
عكس حُجة ديكارت)
مصاغة في شكل
مقولة
واستنتاج منطقي
أو حتى عقلاني. الغائية
والتصميم في التراث
الإسلامية قال
العديد من
المفكرين
المسلمين الكلاسيكيين
بحُجة التصميم
/ الغائية،
ولا سيما رجال
الدين التقليديين
(الأشعريين)،
الذين وجدوها
جد مُتفقة مع
فلسفة الخلق القرآنية
(على سبيل
المثال: "سَنُرِيهِمْ
آيَاتِنَا
فِي
الْآفَاقِ
وَفِي
أَنفُسِهِمْ
حَتَّى يَتَبَيَّنَ
لَهُمْ
أَنَّهُ
الْحَقُّ"
الآية 53 من
سورة فصلت). يمكننا
أن نؤكد أن أول
ظهور لهذه
الحجة في
الأدبيات
الإسلامية
يعود إلى
الكندي، الذي
اعتمد على حجة
"العناية" (الإلهية)،
إذ يقول إن ظواهر
الطبيعة رائعة
ومنظمة بشكل محكم،
ولا يمكن أن تكون
صدفوية وبدون هدف.[20] وعبّر القاضي
الأشعري الكبير
والمتكلم
البارز الباقيلاني (950-1013) عن
حجة التصميم الدقيق
في شكل قياس
بسيط : يجب أن
يكون للعالم مُحدث
ومُصور بما أن "كل
كتاب لا بُد
له من كاتب، ولكل
صورة مُصور، ولكل
بناء مُصمم
وصانع".[21] الغزالي ربما
يتفق
العارفون
بالفكر
الإسلامي على
أن أعظم مُفكر،
فقيه ومتكلم
في تاريخ الإسلام
هو الغزالي، الشهير
بكتابه الضخم`"إحياء
عُلوم الدين" وبشهادته
(أو مذكراته)
الفكرية
الصغيرة "المنقذ
من الضلال"، الذي
يذكر فيه أن الإيمان
العفوي فقط -
وليس العقل -
يؤدي إلى
الحقيقة. أما
بالنسبة لحجة التصميم،
فإنه ليس من
المستغرب أن
نجد بأن
الغزالي قد كتب
كتاباً كاملا
حول هذا
الموضوع، هو
كتاب غير
معروف، يحمل
عنوان "الحكمة
في مخلوقات
الله"[22]،
نُشر لأول مرة
في عام 1978. تعتبر فكرته
بسيطة، إذ تتمثل
في استعراض كامل
للطبيعة التي
من حولنا لتبيين
الإبداع
الإلهي في كل
مخلوقاته و التأكد
من أهمية كل
واحد منها بالنسبة
لوجودنا نحن
البشر. وسنعطي
عددا من
الأمثلة على التصميم
الذي أبرزه الغزالي
في كتابه،
ولكننا نود أن
نقتبس بعض البيانات
العامّة التي
أدلى بها العالم
الكبير فيما
يتعلق بهذه الحُجة.
كتب في المقدمة:
"اعلم رحمك
الله: أنك إذا
تأملت هذا
العالم بفكرك
وجدته كالبيت
المبني،
المُعَدِّ
فيه جميع ما يحتاج
إليه،
فالسماء
مرفوعة
كالسقف، والأرض
ممدودة
كالبساط، والنجوم
منصوبة كالمصابيح...
والإنسان كالملك
للبيت، المخوّل
لما فيه،
فضروب النبات لمآربه،
وأصناف الحيوانات
مصرّفة في
مصالحه..." ويُضيف:
"فهي دلائل واضحة
تدل على فاعلها،
وصنعته محكمة
صمديَّة تدل
على سعة علم
بارئها،
وأمور
ترتيبها تدل
على إرادة
منشئها."[23] في
مختلف فصول
الكتاب،
يتعرض إلى كل
مخلوق،
ويستشهد الغزالي
بآيات من القرآن
الكريم التي
تدعم تصوره
التصميمي ونهجه
الغائي. على
سبيل المثال:
في الفصل
المتعلق بالحكمة
الإلهية وراء خلق
الأرض، يذكر
الآية: "وَأَلْقَى
فِي الأَرْضِ
رَوَاسِيَ
أَن تَمِيدَ
بِكُمْ وَأَنْهَاراً
وَسُبُلاً
لَّعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ ،وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ
هُمْ
يَهْتَدُونَ، أَفَمَن
يَخْلُقُ
كَمَن لاَّ
يَخْلُقُ،
أَفَلا
تَذَكَّرُون،َ وَإِن
تَعُدُّواْ نِعْمَةَ
اللّهِ لاَ
تُحْصُوهَا،
إِنَّ اللّهَ
لَغَفُورٌ
رَّحِيمٌ ." (الآيات 15
الى 18 من سورة
النحل) وفي
الفصل
المتعلق بالبحار،
يذكر الآية: "وَالْفُلْكِ
الَّتِي
تَجْرِي فِي
الْبَحْرِ
بِمَا يَنفَعُ
النَّاسَ
وَمَا
أَنزَلَ اللّهُ
مِنَ
السَّمَاءِ
مِن مَّاء
فَأَحْيَا
بِهِ الأرْضَ
بَعْدَ
مَوْتِهَا
وَبَثَّ فِيهَا
مِن كُلِّ
دَآبَّةٍ
وَتَصْرِيفِ
الرِّيَاحِ
وَالسَّحَابِ
الْمُسَخِّرِ
بَيْنَ
السَّمَاء
وَالأَرْضِ لآيَاتٍ
لِّقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ"
(الآية 164 من
سورة البقرة)،
وفيما يتعلق بجسم
الإنسان، يقول:
"ثم أنظر فيما هل
تجد في خلق
البدن شيئا لا
معنى له؟ هل
خُلق البصر
إلا ليدرك
الأشياء والألوان؟
فلو كانت الألوان
ولم يكن بصر
يدركها، هل كان
في الألوان
منفعة؟ [...] وهل خُلق
السمع إلا ليدرك
الأصوات؟ فلو
كانت الأصوات ولم
يكن لسمع،
يدركها لم يكن
في الأصوات
منفعة، وكذلك
سائر الحواس."[24] يجد
الغزالي، أنه من
المنطقي
التوصل إلى النتيجة
العامة حول التصميم
التالية: "إعلم
وفقنا الله
وإياك أن جميع
ما تقدم ذكره
في هذا الكتاب
من بدائع الخلق
وعجائب الصنع،
وما ظهر في
مجلوقاته من
الحكم آيات
بينات، وبراهين
واضحة،
ودلائل دالات
على جلال
بارئها وقدرته،
ونفوذ مشيئته
وظهور عظمته..."[25] ومن المفيد
دوما إيجاد
أوجه التشابه
وأصداء لمثل هذه
الآراء
والكتابات
بين المفكرين
من مختلف الثقافات
عبر العصور.
وبالفعل، نجد
رجل الكنيسة وعالم
الطبيعية جون
راي John Ray يقول
تماما كالغزالي
في كتابة ستة
قرون بعد
المُفكر المُسلم
الكبير: "ليست
هناك حجة أقوى
ومقنعة، أو
على الأقل
تُدرك بسرعة، عن
وجود إله
(خالق) أكثر من الصنع
والحكمة الرائعة
التي ترى من
خلال التركيب والعلامة،
والتنظيم و
التوزيع،
وخصوصا وظائف وغايات
كل أطراف
وأعضاء
النسيج المهيب
للسماوات
والأرض." وفي
عصرنا، نجد صدى
الغزالي في بعض
كتابات مايكل
دنتون Michael
Denton[26]:
"إنها عالمية الخلق
المطلق، وتمام
الخلق، حيث
أننا نجد في
كل مكان ومن
أي بعد نرمي
فيه بنظرنا،
الأناقة والبراعة
والجودة الفائقة،
أي كل ما يعمل
على نقض فكرة الصدفة".[27] نذكر
الآن بعض
الأمثلة عن التصميم
في الطبيعة التي
وجدها الغزالي
في القرآن،
الذي كثيرا ما
تعكس "آياته"
المسطورة
"الآيات"
المنطورة في
العالم، الذي
يشكل كتابا
مفتوحا من الآيات
البصرية
(وكلمة "الآيات"
هنا تعني "الدلائل"): Ø "أَفَلَمْ يَنظُرُوا
إِلَى
السَّمَاء
فَوْقَهُمْ
كَيْفَ
بَنَيْنَاهَا
وَزَيَّنَّاهَا
وَمَا لَهَا
مِن فُرُوجٍ"
(الآية 6 من سورة
ق) Ø "هُوَ
الَّذِي أَنزَلَ
مِنَ
السَّمَاءِ
مَاءً لَّكُم
مِّنْهُ
شَرَابٌ
وَمِنْهُ
شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ،
يُنبِتُ
لَكُم بِهِ
الزَّرْعَ
وَالزَّيْتُونَ
وَالنَّخِيلَ
وَالأَعْنَابَ
وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ
إِنَّ فِي
ذَلِكَ
لآيَةً لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ".
(الآيتان 10 و11 من
سورة النحل) Ø "يَا
أَيُّهَا النَّاسُ
ضُرِبَ
مَثَلٌ
فَاسْتَمِعُوا
لَهُ إِنَّ
الَّذِينَ
تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ
لَن
يَخْلُقُوا
ذُبَاباً
وَلَوِ اجْتَمَعُوا
لَهُ وَإِن
يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ
شَيْئاً لَّا
يَسْتَنقِذُوهُ
مِنْهُ
ضَعُفَ
الطَّالِبُ
وَالْمَطْلُوبُ"
(الآيتان 73 و74 من سورة
الحج) لا
يكتفي
الغزالي بالأمثلة
التي قدمها
القرآن، إذ يدرس
الطبيعة للعثور
على حالات مُماثلة
أخرى: ·
إن
النجوم سُخرت للناس
لتحديد
الاتجاهات
(الجُغرافية)
والزمن،
وبالمثل فإن
القمر وُضع
بشكل يُساعد
الناس على
القيام بأعمالهم
خلال الليل. ·
والخشب
أخف (أقل كثافة)
من الماء حتى تتمكن
الزوارق من الطفو
وبالتالي
تحمل الناس وأمتعتها
على البحار. ·
إن
تعدد وتنوع وتناسق
أنواع
الحيوانات
مثل الطيور هو
"علامة" (إشارة)
إلى كل من قوة
الخالق وإلى
مختلف الأدوار
التي يمكن أن
تقوم بها هذه
الأنواع في
الطبيعة، بما
في ذلك الدور
الجمالي، حتى
لو أن هذه
الأدوار
غالبا ما تكون
صعبة التحديد.
و يخلص
الغزالي إلى
القول: "فانظر الى
حكمة الخالق كيف
سبقت حكمة الصناعة"[28]... ·
إن الشساعة
المُبهرة للكون،
التي يمكن أن نعيها
ونُقدرها من على
الأرض، التي
تبدو كذُرة رمل
في بحر، كل
هذا يدّل على
قُوة الخالق... ويُقدم
الغزالي استنتاجاته
في نهاية
كتابه: "فما ظنك
بمخلوق وسع هذا
الأمر
العظيم؟
فارفع نظرك
الى بارئ هذا
العظيم،
واستدل بهذا
الخلق العظيم
على قدر هذا الخالق
العظيم، وعلى
جلاله وقدرته
وعلمه، ونفوذ
مشيئته،
واتقان حكمته
في بريّته". ويضيف:
"فمن [...] نظر في
ذلك بعقله
ولبه،
واستفاد بذلك
المعرفة
بربه،
والتعظيم
لأمره، وليس
للمتفكرين
الى غير ذلك
سبيل، وكلما
ردّد العقل الموفق
النظر
والتفكر في
عجائب الصنع
وبدائع الخلق
ازداد معرفة
ويقينا،
واذعانا
لبارئه
وتعظيما. ثم الخلق
في ذلك متفاوتون،
فكل مثال على
ذلك على حسب
ما وهبه له من
نور العقل
ونور
الهداية،
وأعظم شيء
موصل الى هذه الفوائد
المشار إليها
تلاوة الكتاب
العزيز،
وتفهّم ما ورد
فيه وتدبّر
آياته، مع
ملازمة تقوى
الله سبحانه.
فهذا هو باب
المعرفة
بالله،
واليقين بما
عند اللهً"[29]. ابن
رشد إنّ
الشخصية الفكرية
الأخرى البالغة
الأهمية في تاريخ
الفكر الإسلامي
هو، بطبيعة
الحال، ابن
رشد الذي وكما
ذكرنا أعلاه، تبنى
أيضا، وبشكل
صريح، الحجة
الغائية في أعماله.
وتجدر الإشارة
مع ذلك إلى أن
ابن رشد كان
يعتبر المنهج
الاستقرائي الفلسفي
أقوى منهج،
ولكنه كان يرى
حجة التصميم
مفيدة ومهمّة،
لأنها موجهة
في آن إلى
العامة
والنخبة، كلٌ
حسب عمق نظره. في
كتابه الشهير
"فصل المقال" الذي
يتناول
العلاقة بين
الفلسفة (التي
يُسميها
"الحكمة")
والدين (أو
الشريعة)، يبدأ
ابن رشد إثباته
لـ"واجب" (و،
بالنسبة لفئة
مُعينة من
الناس، فرض) العمل
أو البحث
الفلسفي في
الإسلام من
خلال تعريف
هذه العملية بأنها:[30] "النظر
في الموجودات
واعتبارها من
جهة دلالتها
على الصانع"
(الفقرة
الثانية). وبالفعل،
نجده يصرح منذ
البداية: "فإن
الموجودات
إنما تدل على
الصانع
بمعرفة صنعتها،
وإنه كلما
كانت المعرفة
بصنعتها أتمّ،
كانت المعرفة
أتمّ..." وكما
يوضح لنا آلان
دو ليبرا Alain
de Libera (أحد
أكبر
المختصين في
فكر ابن رشد
في الغرب
اليوم) فإن فيلسوفنا
يقدم نظريتين
في هذا الصدد : النظرية
الأولى: إن الكائنات
تشكل دليلا
على وجود الصانع،
من حيث أننا نستطيع
التعرف على صنعها،
و
هذا يعني : النظرية
الثانية: إن معرفة
الصانع تكون
أعلى كلما
ارتفعت معرفتنا
للكائنات في
صنعها.[31]
وفي
كتابه "الكشف
عن مناهج
الأدلة في عقائد
الملة" يجعل الفيلسوف
الكبير من حُجة
التصميم
"دليلا"
حقيقياً
ومشروعاً عن
وجود الخالق. إذ
يكتب: "فأما
الطريق التي
سلكها الشرع
في تعليم الجمهور
أن العالم
مصنوع لله
تبارك
وتعالى، فإنه إذا
تؤملت الآيات
التي تضمنت
هذا المعنى،
وُجِدت تلك
الطرق هي طريق
العناية، وهي
إحدى الطرق
التي قلنا
إنها الدالة
على وجود
الخالق تعالى".[32] بل
إننا نجده يقدم
حجة بيلي Paley سبعة
قرون قبل المفكر
الإنجليزي:
"وذلك أنما
كما أن الإنسان،
إذا نظر الى
شيء محسوس
فرآه قد ُضِع
بشكل ما، وقدر
ما، ووضع ما،
موافقا في
جميع ذلك
للمنفعة
الموجودة في ذلك
الشيء
المحسوس،
والغاية
المطلوبة،
حتى يعترف أنه
لو وجد بغير
ذلك الشكل أو
بغير ذلك الوضع
أو بغير ذلك
القدر، لم
توجد فيه تلك
المنفعة، علم
على القطع أن
لذلك الشيء
صانعا صنعه،
ولذلك وافق
شكله ووصعه
وقدره تلك
المنفعة،
وأنه ليس يمكن
أن تكون
موافقة
اجتماع الأشياء
لوجود
المنفعة
بالأتفاق". ثم
يضيف: "وأنه لو
اختل شيء من
هذه الخِِلقة
والبنية،
لاختل وجود
المخلوقات
التي هاهنا،
علم الى القطع
أنه ليس يمكن
أن تكون هذه
الموافقة،
التي في جميع
العالم،
للإنسان والحيوان
والنبات
باتفاق، بل
ذلك من قاصد
قصده، ومريد
أراده، وهو
الله عز وجل". إن
الاعتماد على
الحجة الغائية
والتصميم لا
يمكن أن يكون
أكثر وضوحا. وفي
مكان آخر يُسمي
"حُجة التصميم"
بحجة "الصنع"
وكذلك يقدم
صيغة مبسطة من
"المبدأ
الإنسي" في ما
يسميه "دليل
العناية"، وهو
ما سوف نعود
إليه. يربط ابن
رشد بين هذه
المفاهيم (التصميم/الصنع،
العناية/المبدأ
الإنسي) بالقرآن
الكريم، إذ
يقول: "وأما أن
هذا النوع من
الاستدلال هو
النوع الموجود
في الكتاب
العزيز، فذلك
يظهر من غير
ما آية من
الآيات التي
يذكر فيها بدء
الخلق" ويتخذ
من آيات سورة
النبا مثالا فيفصل
في تفسيرها
وتحليلها. ثم
يضيف: "ولو
ذهبنا لنعدد
هذه الآيات،
ونفصل ما نبهت
عليه من
العناية التي
تدل على
الصانع والمصنوع،
لما وسع ذلك
مجلدات
كثيرة، وليس قصدنا
ذلك في هذا
الكتاب". ويُؤكد
الفيلسوف
الكبير على أن
التعرف على التصميم
في الكائنات،
أي "ُوجود نظام
معيّن في الشيء
المصنوع بين
مختلف أجزائه"
هي طريقة أكبر
لمعرفة الله من
مُجرد
الاعتقاد بأن
الأجسام "قد
خُلقت". ويُشدّد
على هذه
الفكرة كذلك
من خلال الإشارة
إلى أن
الفيلسوف (أو
عالم الطبيعة
اليوم) يعرف
الله ليس فقط أفضل
من عامّة
الجمهور ولكن
أيضا أفضل من
عالم الدين
الذي يغفل عن
هذا المنهج. ويُصّرح ابن
رشد بأن وجود التصميم
(أو "المخطط
الكوني") أكثر
تماشيا مع
حكمة الله من التصور
الأشعري لله
كمُحرك مباشر للأشياء
في العالم،
الأمر الذي ينكر،
فعلياً، حكمة
الله. فيلسوفنا
يرى في البحث عن
التصميم
والغائية لكل الخلق
هدفا محوريا
للفيلسوف (أو
العالم)، الذي
هو مؤهل
للحصول على جزء
من حكمة الله.
في أحد مقاطع
"الكشف"،
نقرأ: "وينبغي
أن تعلم أن
هذا النوع من
الاستدلال في غاية
المضادة
للاستدلال
الذي زعمت
الأشعرية أنه
الطريق الى
معرفة الله"
ثم يقول:
"وقولهم إن
الله أجرى
العادة بهذه
الأسباب وأنه
ليس لها تأثير
في المسببات بإذنه،
قول بعيد جدا
عن مقتضى
الحكمة، بل هو
مبطل لها. لأن
المسببات إن
كان يمكن أن
توجد من غير
هذه الأسباب
على حد ما
يمكن أو توجد
بهذه الأسباب
فأي حكمة في
وجودها عن هذه
الأسباب؟!" ثم
يدعم رأيه
الهام بحجج
قرآنية فيقول:
"والى هذا
الإشارة
بقوله تعالى ((صُنْعَ
اللَّهِ
الَّذِي
أَتْقَنَ
كُلَّ شَيْءٍ )) –
النمل 88 – وأي
إتقان يكون –
ليت شعري! – في
الموجودات إن
كانت على
الجواز. إن
الجائز ليس هو
أولى بالشيء
من ضده. والى
هذا الإشارة بقوله
((مَّا
تَرَى فِي
خَلْقِ
الرَّحْمَنِ
مِن
تَفَاوُتٍ))
– الملك 3 -. وأي
تفاوت أعظم من
أن تكون
الأشياء كلها
يمكن أن توجد
على صفة أخرى
فوجدت على
هذه. ولعل تلك
الصفة
المعدومة
أفضل من
الموجودة؟!" وقد أصّر
ابن رشد على
أن حُجتي "الصنع"
و"العناية" اللتان
لا تختلفان
فقط مع طرح
علم الكلام الأشعري
للخلق الإلهي
والفعل في
العالم، بل تتميزان
خاصة بوضوحهما
وقابليتهما
للتقديم
لعامة
الجمهور وللنخبة
على حد سواء. وإنما
الفرق في
تقييم هذه
الحجج بين المجموعتين
يتمثل في "كمية
التفاصيل
الدقيقة"
التي يتوصل
إليهما كل
منهما. ويخلص
إذن إلى أن هذا
المنهج
المبني على هاتين
الحجتين يتفق
تماماً مع
الطرح
الإسلامي
وكذلك مع
الطريقة
العلمية، ويشير
إلى أن هذا
المنهج هو
ذاته الذي قدم
في الكتاب
المقدس وعلمه
الأنبياء. هذا،
ويستخدم ابن
رشد ذكاءه
الخارق ودقته
في النظر بقيامه
بتفسير منحاز
لآية قرآنية يستخدمها
لتقوية حجة الصنع،
فانطلاقا من الآية:
"أَلَا يَعْلَمُ
مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"
(الآية 14 من سورة
المُلك)، يفسر
ابن رشد "مَنْ
خَلَقَ"
بمعنى "الذي
خلق"، في حين
أن الآية
السابقة تشير
إلى أن المعنى
الأصوب هو
"الذين
خُلقوا"، بما أن
سياق الحديث
السابق
مباشرة هو "إِنَّهُ
عَلِيمٌ
بِذَاتِ
الصُّدُورِ"،
أي الله... الغائية
والتصميم في
التراث
الإسلامي
الحديث لأغراض
ترتيبية يمكن
اعتماد التصنيف
المُبسط
التالي للمفكرين
المسلمين في
العصر الحديث:
(أ) رجال الدين
(بجميع تخصصاتهم)،
ب) الفلاسفة،
الذين نضم
إليهم كل الأكاديميين
من كل العلوم
الإنسانية
والاجتماعية،
ج) "المُفكرون"،
أي المثقفون على
تنوعهم، بمن
فيهم علماء
الطبيعية
والتكنولوجيا،
الذين يُساهمون
من خلال بعض
الأعمال أو
بعض وجهات نظر
القيّمة في الموضوع.
الفئة
الأولى تشمل
العلماء أمثال
محمد عبده،
رشيد رضا،
محمد الطاهر
بن عاشور
وغيرهم. أما الثانية
فتجمع
المفكرين مثل
محمد إقبال،
محمد طالبي،
سيد حسين نصر
وغيرهم.
والمجموعة
الثالثة تجمع
أشخاصا مثل
موريس بوكاي Maurice
Bucaille،
زغلول
النجار،
هارون يحيى
وغيرهم. وفي
الحقيقة، حتى لو
قررنا التركيز
على مفهوم
واحد، مثل حجة
التصميم أو الغائية،
فإن عرض آراء
ومعتقدات كل فرد
من هذه
القائمة من
المفكرين
المُهمين يتطلب
الكثير من
الوقت والجهد،
ولذا سوف لن نقوم
في هذا العمل إلا
بتلخيص سريع
لتلك الآراء. رفع
رجال الدين في
عصرنا، خاصة الإصلاحيون
المعتدلون أمثال
عبده وبن
عاشور، حجة التصميم
عالياً، لسبب
بسيط هو أنها
معروضة بشكل
واضح في الخطاب
القرآني وتبدو
قائمة على العقل
من خلال تأمّل
وفهم العالم.
ولكن لا يبدو
أنهم استغلوا هذه
المسألة
بطريقة
منهجية، إذ لم
يذكروا
الغزالي ولا
حتى ابن رشد، ناهيك
عن الغربيين
من مثل راي Ray أو بيلي Paley. لذلك ظلت أفكارهم
حول هذا الموضوع
مبهمة وعقيمة. ومن
بين الفلاسفة
المسلمين في
العصر الحديث،
نجد واحدا من
أهم الأصوات،
هو محمد إقبال
(1877-1938) الفيلسوف-الشاعر
الهندي
الشهير الذي
تلقى تعليمه
(على الأقل
جزئيا) في الغرب
وتأثرا كثيرا بالفلاسفة
الأوروبيين
غير العقلانيين
(نيتشه، غوته،
كانط، وبرغسون).
ولا يُعطي إقبال
إلا القليل من
الأهمية لمختلف
الحجج
العقلانية المُتعلقة
بوجود الله، بل
يرفضها كلها
في أقل من
صفحتين في أهم
كتبه ("وصيته"
الفلسفية)
"إعادة بناء
الفكر الديني
في الإسلام"[33]، المتمثل
في مجموعة من
المحاضرات كان
قد ألقاها عن مكانة
الفكر الفلسفي
والكلامي في الإسلام
المعاصر،
نشرت عام 1930. يقول
إقبال "إن الحجة
الغائية ليست
أفضل من
[الحجج
الكونية الوجودية]،
فبالإضافة
إلى أنها تقدم
لنا الإله كمخترع
ذكي يعمل بأدوات
موجودة
مُسبقاً،
خاملة
ومستعصية على
العمل، وبعناصر
ذات طبيعة غير
قادرة على
تكوين الهياكل
والتشكيلات، تقدم لنا
هذه الحجج صانعا
فقط وليس خالقا.
وحتى لو اعتبرناه
خالقا لتلك الأدوات،
فإن هذا لا
يعطيه أي شرف
ولا يُضفي أية
حكمة على خلقه
(أو طريقته) إذ صعّب
الخلق على
نفسه بوضع مواد
غير قادرة على
التفاعل أولا،
ثم ترويض مُقاومتها
من خلال تطبيق
أساليب غريبة
عن طبيعتها
الأصلية... في
نهاية
المطاف، يبدو
ببساطة أن
القياس الذي
تعتمدُ عليه
هذه الحجّة لا
قيمة له.
والواقع أنه
لا يمكن وضع
قياس صحيح أو
مفيد بين صانع
(إنساني) وبين ظواهر
الطبيعة". وعلى
الرغم من
الطابع
التعسفي
والحاد في نقد
إقبال للحجج
العقلانية، فإن
وجهات نظر هذا
الفيلسوف الكبير
ليست مُفاجئة كثيرا.
إذ يجب أن
نتذكر الخطوط
الكُبرى
لفلسفته: أ)
كان إقبال مشككا
جدا إزاء
الفلسفة
العقلانية، التي
ربطها كثيرا بالفلسفة
المادية
الملحدة المرفوضة
كُلاً
وتفصيلاً، ب) تلقى
إقبال تكوينه
وتأثر كثيرا بالتراث
الفلسفي
الأوروبي، الذي
رد منهج
"العقل
البحت" بقوة،
ج) كان شديد التأثر
بالتراث والتجربة
الصوفية،
التي لا يعتبرها
فقط عمليات
"فكرية" وتجارب
دينية صالحة بل
منهجا مُحررا من
"قيود" التفكير
العقلاني، د)
يمثل برنامج "إعادة
بناء الفكر
الديني في
الإسلام"[34] أساسا
لدعوة الأمّة
الإسلامية
لاستيعاب كل
التطورات
العلمية والفكرية
في الغرب بقدر
الإمكان
ودمجها في فكر
كلُي وجديد، يشمل
حسب رأيه،
التجربة الصوفية
والفلسفة الكانطية
والبرغسونية
والنظريات
العلمية
(مفهوم الزمن،
نظرية التطور،
الخ.) حسب فهمه
هو (الذي غالبا
لم يكن دوما
صحيحا). ويبدو
أن إقبال لم
يكن لديه التكوين
العلمي
اللازم
لاستيعاب تلك الجوانب
من مساهمات الغرب
الحديثة، وإنما
انزلق في
اتجاه رفضه للنهج
الفلسفي
العقلاني ومحاولة
رفعه وإضفاء مصداقية
على النهج الصوفية. ولكن
على الرغم من
أنه رفض حجة التصميم،
يجب أن نؤكد
مع ذلك أن
إقبال لا يزيح
مفهوم الغرض، خاصة
بالنسبة
للكائنات
الحية. يقول:
"إن مفهوم ’السبب’...
يتناسب مع مجال
العلم الفيزيائي
الذي يدرس نوعا
معينا من
النشاط
الطبيعي والذي
يعتمد على
أنواع أخرى من
النشاطات المُشاهدة
من قبل آخرين.
ولكن عندما نرتفع
إلى مستوى
الحياة والوعي،
فإن مفهوم
السبب لا يفي
بالغرض، ونجد
أنفسنا بحاجة
إلى مفاهيم
فكرية جديدة. إن
عمل الكائنات
الحية، المُهيأة
و المُنظمة لغرض
معيّن، هو
مختلف تماما
عن السببية. إن
موضوع بحثنا
يتطلب إذن مفاهيم
مُتعلقة ’بالهدف"
و’الغرض’،
التي تُعتبر إجراءات
داخلية، عكس مفهوم
السبب، الذي
يعتبر فعلا خارجيا".
وفي هذا يكون
إقبال غائياً
تماما، على
الأقل فيما
يتعلق بالكائنات
الحية، التي يرى
أنها تختلف
اختلافا
جوهريا عن موضوعات
الطبيعة الجامدة. ولكن، في
مجال آخر، يرفض
إقبال أي
مفهوم غائي بالنسبة
للكون: "من المؤكد
أن نظام
العالم أو حركة
الكون عبر
الزمن، تخلو
من أي غرض،
إذا كنا نعني بالغرض
هدفا مُحضّرا
مُسبقا، أي
وجهة بعيدة مُحددة
مُسبقاً يتحرك
نحوها الكون
كله. إن وضع غرض
ما في آخر مسار
العالم بهذا
المعنى، إنما
يعني إزالة كل
جانب إبداعي
له (أو فيه). وأخيرا
يجب أن نلاحظ
أن تلاميذ إقبال
(أو من اتبع مدرسته
الفكرية)، أمثال
سيد محمد نجيب العطاس
ومقصود أفتاب،
أكدّوا على
ضرورة زيادة
التركيز على "حجة
التجربة
الروحية"، بدلا
من "حجج المشاهدة"
بالنسبة لوجود
الله. ومن
بين أهم ممثلي
المجموعة
الثالثة من المفكرين
المسلمين الحديثين
أو المعاصرين،
كما قمنا
بتصنيفهم
أعلاه، أي من بين
العلماء
وغيرهم من الكتّاب،
يجب أن نذكر أولا
زغلول النجار
وهارون يحيى: الأول
أكاديمي
متقاعد اشتغل
لفترة طويلة كأستاذ
للجيولوجيا وهو
يُكرس وقته اليوم
كله لنظرية
الإعجاز
العلمي للقرآن،
والثاني (واسمه
الحقيقي
عدنان أوكتار)
هو كاتب تُركي
لا يملك
تكوينا
أكاديميا
عاليا، وإنما
يقوم بحملة
عالمية قوية ضد
أخطار وشرور النظريات
"الإلحادية" مثل
التطوّر، والمادّية،
والماركسية،
أو بعض المنظمات
مثل
الماسونية... وفيما
يهمنا هنا، فإن
هارون يحيى قد
جعل من حُجة
التصميم حجر
الزاوية
لفلسفته
وحملته. والواقع
أن العديد من
كتبه تحمل
عبارتي
"تصميم" و"خلق"
في عناوينها، منها:
"التصميم
الإلهي في
الطبيعة " (The
Design in Nature)،
و"التصميم
الأكمل في
الكون لم يكن
يالصدفة" ( The Perfect
Design in the Universe Is Not By Chance ) و"آيات
الله: التصميم
في الطبيعة" ( Signs
of God - Design in Nature ")، "حدثني
عن الخلق" (Tell
Me About the Creation )، "خلق
الكون" (The Creation
of the Universe )، "معجزة الخلق
في الحمض
النووي" ( The Miracle of
Creation in لنعد
إلى مفهوم
التصميم في
فلسفة الخلق لهارون
يحيى ورؤيته للعالم
والطبيعة.
يمكن الإشارة
إلى بعض
المقاطع من
كتابه "يعرف
الله بالعقل"،
إذ يقول: ·
دعونا
ننظر حولنا،
ونلاحظ كيف أن
كل ما يوجد في
الغرفة "مصنوع"...
عندما يقرأ
شخص كتابا، يعرف
مُسبقا أنه
مكتوب من قبل كاتب
ولسبب مُحدد...
وهذا لا ينطبق
فقط على
الأعمال
الفنية. نعلم
أن الطوب المكدسة
هنا وهناك قد
أحضرها شخص
معين ولغرض
معيّن[36]. · إن
استعراض هيكل
من الذرات يكشف
عن تصميم فريد
من نوعه.[37] ·
إن
نظاما مثاليا يسود
في جميع أنحاء
الكون، وذلك
منذ إنشائه.
فعلى سبيل
المثال،
تنظيم الذرات،
على الرغم من أصله
"الزمكاني"
المُختلف بالنسبة
لكل واحدة
منها، يظهر كعمل
صانع واحد ذي
وعي. فأولا،
تجد
الالكترونات أنوية
وتنجذب لتدور حولها.
بعدها، تتجمع
الذرات معا لتُشكل
المادة، و بعد
ذلك يحدث شيء شبيه
بالمُعجزة، إذ
تبدأ هذه المادة
في إنتاج
أجسام معقولة،
مُفيدة وذات
معنى [38]. ويبدو
سريعا أن حجج التصميم
لدى يحيى، تعتمد
على معرفة
بدائية
للطبيعة، إذ هي
من النوع
التبسيطي
جدا. أما زغلول
النجار فيهتم
أكثر بإثبات "الإعجاز
العلمي" في القرآن
من خلال منهج طبيعي
أو عقلاني يخدم
فكرة وجود
الله[39]. وفي
إطار برنامج
"البحث" هذا، يبدو
أن النجار قد
تبنّى حجة التصميم،
على الرغم من أنه
لم يذكرها بصراحة
ولو مرة واحدة،
ولم يذكر حتى
مفهوم "التصميم".
وكل ما نجد في
كتاباته هو
آراء من نوع:
"لا يوجد
إنسان عاقل
يُمكنه أن يعتقد
أن هذا الخلق العظيم
للكون هو شيء
آخر غير أمر
الله (سبحانه
وتعالى)، الذي
يقول في سورة
يس (الآية 82): "إِنَّمَا
أَمْرُهُ
إِذَا
أَرَادَ
شَيْئاً أَنْ
يَقُولَ لَهُ
كُنْ
فَيَكُونُ". المبدأ
"الإنسي" في
التراث
الإسلامي على
الرغم من
الجدل الدائر
حوله وردود
الأفعال التي أثارها
منذ ظهوره (منذ
ثلاثة عقود من
الزمن تقريبا)،
ليس من قبيل
المبالغة
القول إن
المبدأ الإنسي
(Anthropic Principle)، قد شكلّ
نسقا فلسفيا
وعلميا (paradigm) جديدا
وقاعدة حوار ديناميكية
بين العلم
والدين
(بمعناهما
الواسع). ولتأكيد
هذا، اسمحوا لي
أن أذكر آراء
بعض المفكرين
والعلماء، من
مثل نيكولا دالابورتاN.
Dallaporta :
"إن الاعتراف بالمبدأ
الإنسي ينبغي
أن يعتبر لحظة
حاسمة في تطوّر
العلم، إذ يفتح
قنوات جديدة نحو
تصورات غير
معروفة من
الكون..."[40]
وكُوينCoyne : "أعتقد أن المبدأ
الإنسي لم
يُمثل فقط مُحفزا
للبحث في علم
الكونيات، بل
يوفر نقطة
لقاء رائعة
ومثيرة بين علم
الكلام والعلوم،
وخدمهما بالتأكيد
من خلال إضافة
العامل
البشري الذي
تم استبعاده من
العلوم الفيزيائية
لقرون عدة."[41] ومن
المؤكد أيضا
أن المفكرين
الدينيين قد وجدوا
نقطة دعم في
هذا المبدأ،
الذي يقول إن
المسائل المتعلقة
بالكون والوجود،
والحياة
والإنسان، لا
يمكن أن تكون
حكرا على العلوم
الدقيقة، بل من
الواجب إدخال الاعتبارات
"الميتافيزيقية"،
أو على الأقل "الإنسية"
في تلك النقاشات. ولكن
ردود فعل المسلمين
كانت بطيئة بالنسبة
لهذا التطور
الهام، وذلك
لأسباب عدة لا
بمكننا ذكرها إلا
بعجالة في هذه
اللمحة السريعة
عن المبدأ.
أولا، لما
دافع معظم
المفكرين
المسلمين بقوة
عن "حجة الصنع"،
إذ وجدوا في
كتابهم
الكثير من
التوجيهات في
هذا الصدد، فإنهم
لم يروا في
عودة هذه
الحجة من خلال
المبدأ الإنسي
تطورا هاما. ومن
جهة أخرى، فقد
تم إجلاء هذا النسق
الجديد
للفلسفة
والعلم عمدا
من قبل بعض
المذاهب الفكرية
الإسلامية
(مثل سيد حسين
نصر) التي
لديها برنامج
فكري وفلسفي
مختلف جذريا (تُنادي،
على سبيل
المثال، بتطوير
"العلم
المقدس" الذي يختلف
بوضوح عن "العلوم
الحديثة،
الغربية"
التي لا يمكنها،
حسب رأيهم، أن
تُدمج
أو حتى تستوعب
الإيمان
بالله وبالوحي).
وأخيرا،
نلاحظ
المعضلة التي
واجهها
العلماء
والفلاسفة
المسلمون
الذين يدعون
إلى الإصلاح
والتحديث: إن المبدأ
الإنسي يشير
إلى مبدأ التطور
و يحويه في كل لحظات
الوجود، منذ
لحظة خلق
الكون لغاية المستقبل،
بما في ذلك
ظهور
الإنسان من خلال
عمليات
التطور التي
دعا إليها
العلم الحديث... التكيّف
الدقيق Fine-Tuning لقد
تم تجاوز حجة
التصميم إلى
حد كبير اليوم
من خلال
اكتشاف
"التكيّف
الدقيق"
للكون،
النتيجة التي
مفادها أن
معظم، إن لم تكن
كل القوانين و"اللبنات"
التي تُمثل أساساً
لكوننا وللوجود
ككل، هي
مٌحددة بشكل
ودقيق ورائع
بحيث تسمح
بظهور ووجود
الإنسان، أو
على الأقل بظهور
ووجود الحياة
والذكاء. فأن نستنج
من هنا أن خالقا
قد خطّط
بعناية تصميم
الكون
والطبيعة من
أجل ظهور كائن
(الإنسان
وربما أنواع مُتطورة
أخرى)، ليس
ثمة إلا خطوة
واحدة فقط
تبدو منطقية
لكثير من
المفكرين. لنعطي
بعض الأمثلة
على هذا التكيّف
الدقيق للكون : v أظهرت
بعض الحسابات
أنه، لو
انحرفت النسبة
بين كمية
المادة
والطاقة من
جهة وحجم
الفضاء
الكوني من جهة
أخرى، الكمية
المُسماة في علم
الكونيات W، لو
انحرفت أثناء
الانفجار
الكبير Big Bang بنحو10-17 عن قيمتها
المعروفة في
كوننا، فإما أن
ينهار الكون على
نفسه أو أن يتضخم
بشكل لا يُعطي
لا النجوم ولا
الكواكب ولا
الكائنات
والمخلوقات
التي تعيش فيه
اليوم... كذلك فإن
سرعة توسُع
الكون تؤثر
تأثيرا
مباشرا على تطور
الكون
ومحتواه وعلى
ظهور الحياة فيه. v يعتمد
ظهور ووجود
الحياة
البشرية على
الأرض إلى حد
كبير على ثبات
الشمس على مدى
بليون سنة
(الفترة
المطلوبة
للتطور
البيولوجي
وتشكيل الكائنات
الذكية)، لذلك
يجب أن تظل النجوم
مُستقرة على
مدى فترات
طويلة، مما
يعني وجود
حدودً صارمة
على قوى
الجاذبية،
والنووية
والضعيفة... يعرض
لي سمولن Lee
Smolin،
أستاذ
الفيزياء في
جامعة
بنسلفانيا، حسابا[42] لاحتمالات
تشكيل نجوم
مستقرة ذات
عُمر مديد،
على افتراض أن
خصائص الكون (كتلة
الجسيمات
الأساسية، مواصفات
القوى، وما
إلى ذلك) ذات
قيم عشوائية، فيتحصل
على قيمة مُدهشة
تتمثل في 1 على10229 فرصة! وليوضح
صغر قيمة هذه النتيجة،
يُشير الى أن
الكون كله لا
يحتوي إلا على
حوالي 100 بليون
مجرة، كل منها
يحتوي على نحو
100 مليار نجمة، أي
مجموع 1022 من النجوم فقط... v يتوقف
وجود الاستقرار
والخصائص
الفيزيائية
والكيميائية
للذرات
والجزيئات
على دقة القوة
الكهرومغناطيسية
(أي شحنة
الإلكترون). فلو
كانت قيمتها أقل،
فإن التفاعلات
الكيميائية
تكون بطيئة
جدا وضعيفة بحيث
لا تتشكل الجزيئات
المعقدة الضرورية
للحياة؛ وإذا
كانت قيمتها
أعلى، فإن التفاعلات
الكيميائية
(المطلوبة لإناج
جزيئات مثل
الحمض النووي)
تتطلب حينها
الكثير من
الطاقة، الشيء
الذي نادرا ما
يتوفر في
الكون... v تقوم
الحياة في
الأساس على
ذرات الكربون
(وبشكل ثانوي على
الأكسجين،
سواء بالنسبة
لتوفر المياه أو
بالنسبة لتنفس
الكائنات
الحية)، وكان
لا بد على الخصائص
الفيزيائية للكون
(القوة النووية
والكهرومغناطيسية،
المستوى
الأساسي لنواة
الكربون
والأكسجين، الخ)،
أن تكون مُحددّة
بشكل دقيق بحيث
يتم إنتاج الكميات
اللازمة من كل
عنصر ويمكن أن
تظهر
الحياة وتتطور... v لماذا
الكون هو ذو 3 أبعاد
(فضائية) زائد 1
(زمني)؟ أثبت علماء
الفيزياء أن
مدارات
الكواكب
والذرات
والجزيئات لا تكون
مستقرة إلا في
فضاء ذو ثلاثة
أبعاد أو أكثر.
علاوة على ذلك،
فإن موجات الاتصالات
(الضوء
والصوت) لا تنتشر
بشكل متجانس إلا
في فضاء ذي بعد
واحد أو بثلاثة
أبعاد.
وأخيرا، مبادئ
نظرية
النسبية
الخاصة لا
تكون صحيحة إلا
في ثلاثة
أبعاد... v إن
الحياة مبنية
على أساس خواص
فريدة تميّز العناصر
العضوية
المُهمة: 1)
الماء (H2O)
مُذيب
ممتاز وناقل
جيد للحرارة،
ولديه حرارة
كامنة عالية وتوتر
سطحي مرتفع، كل
ذلك يسمح بحدوث
التفاعلات
البيو-كيميائية
بسرعة أكبر. وللماء
كثافة أقل في حالته
المُتجمدة
(الثلج) منه في حالته
السائلة، وهو
ما يعطي نتائج
مهمة كذلك، 2)
ثاني أكسيد
الكربون (CO2)
يقوم
في الماء
بتعديل
الحموضة بشكل ممتاز، الخ. وهناك
العديد من الأمثلة
الأخرى يمكن
أن تُقدم لهذه
الملاحظة
الكبرى
(التكيّف
الدقيق fine-tuning) في كل من
الكون
وقواعده أو على
الأرض وفي
النظام الشمسي-الأرضي-القمري.
يختم بول
ديفيس Paul Davies هذه
الملاحظات
بالقول: "يمثل
هذا بالنسبة
لي حجة قوية،
تُشير إلى
وجود شيء وراء
كل هذا... كما لو
أن شخصا ما،
قد عدّل بدقة كل
الخواص لصنع هذا
الكون... فانطباع
التصميم يُهيمن
تماماً ".[43] أما روجر
بنروز Roger
Penrose فيقول
بشكل ملفت
أكثر: "إن دقة تصويب
الخالق... كان ينبغي
أن تكون في ما
يقارب1010(123) حتى
يأتي عالمنا إلى الوجود"[44]... وهكذا
أن تُؤدي ملاحظات
التكيّف
الدقيق مباشرة
إلى مسألة/مفهوم
الخالق، لهو بالشيء البديهي... صياغات
المبدأ
الإنسي ليس
من المستغرب إذن
في ضوء تلك المشاهدات
(وأخرى كثيرة
لم يسع المجال
لذكرها هنا)
أن نذهب إلى
استنتاج وُجود
تصميم وتخطيط
دقيق للكون،
بل أيضا تحضير
"الأرضية" لمجيء
الإنسان. وقد
تمّ تقديم هذه
الفكرة بعدة صيغ
من طرف باحثين
من آفاق
مختلفة[45].
ومن المثير
للاهتمام
ملاحظة أن صيغة
"المبدأ الإنسي"
قُدمت رسميا
من قبل
براندون
كارتر Brandon Carter في عام 1973،
بمناسبة
الذكرى 500 لميلاد
كوبرنيكوس، هذا
الذي كان المسؤول
الأول والمباشر
عن زحزحة
الإنسان من
موقعه المركزي
في الكون، الذي
ظل يحتله الى
حين ظهنر
نظرية
كوبرنيكس
(وتبعاتها).
منذ
ذلك الوقت أصبح
المبدأ
الإنسي موضوع
العديد من الأعمال
والكتابات
والمناقشات.
وقدمت العديد
من الصيغ، أهمها
الثلاثة التالية : §
المبدأ
الإنسي
الضعيف:
"إن قوانين ولبنات
الكون تحمل خزاصا
تسمح للحياة
أن تتطور ولعقول
قادرة على
تأكل كل ذلك على
الأقل في بعض
المناطق من
الكون". قد يبدو
هذا البيان
عادياً، وربما
"تحصيل حاصل"،
ولكن الأمر
مُختلف،
وأثبت تاريخ الفيزياء
وعلم
الكونيات
الحديثة أن
هذا المبدأ
يمكن أن يُساعد
في صياغة
واكتشاف بعض الحقائق
الكونية المُهمة.
وأول ما يترتب
على هذا
المبدأ،
نتيجة بسيطة
ولكن مهمة
للغاية، وهي فهم
لماذا الكون واسع
جداً، والسبب
ببساطة أنه قديم
جدا، وهو قديم
جداً لأن
الحياة تطلبت
هذه الفترة
الطويلة
لتتطور وتُظهر
للوجود كائنا قادراً
على تدبر هذا
الكون وطرح مثل
هذه الأسئلة... §
المبدأ
الإنسي القوي:
"إن الكون (وبالتالي
اللبنات
الأساسية
التي يقوم
عليها) يجب أن
يكون بشكل
يسمح بولادة
متدبرين بداخله
في مرحلة
معينة من
تطوره". الفرق
الوحيد (وهو
مهم جداً) بين
هذا وبين البيان
السابق هو
التأكيد على ضرورة
أن يكون للكون
مثل هذه الخصوصيات.
ففي هذا
البيان تشكل الحياة
والإنسان
تفسيرا غائيا
للكون. §
المبدأ
الإنسي
الِّنهائي:
"إن الكون يسير
بشكل يجعله
بمجرد ظهور
الذكاء فيه أن
يستمر (العقل)
في الوجود إلى
الأبد". هذه الصياغة
تم تقديمها من
قبل بارو Barrow وتيبلر Tipler[46] لتسليط
الضوء على
موضوعين هما :
أ) الذكاء (أو
العقل) هو
المحرك
الرئيسي
للكون، ب) التحكم
الذي سيقوم به
العقل في
الكون الذي لغاية
الأزمنة
البعيدة،
عندما يصل الكون
الى نقطة W (أوميغا، وهي
مماثلة لفكرة
العالم القس
تيلارد دو
شاردن Teilhard
de Chardin) يتحكم
العقل /
الذكاء
المركزي في
الكون بشكل
كلي. تعتبر الصيغ
الثلاث المُقدمة
أعلاه
للمبدأ الإنسي
الأهم، ولكنها
ليست الوحيدة
التي تم اقتراحها.
في كتابه
الأخير[47]،
يُحصي جان ستونStaune
ما لا
يقل عن تسعة اقتراحات،
بما في ذلك، حتى
لا نذكر إلا
الأبرز[48] "المبدأ
الإنسي القوي
جداً" (العائد
الى ستون نفسه)، و"المبدأ
الإنسي
المدمر" thanatothropique (العائد
الى جان بيار
بوتي Petit)، و"المبدأ
الإنسي القوي
فعلا" (العائد لغونزاليس
وريتشارد[49] Gonzalez
& Richards). ومن
المثير
للاهتمام
أيضا أن نلاحظ
أن هذا المبدأ
قد لفت اهتمام
الأدباء
والمفكرين
غير العلميين؛
قال فاتسلاف
هافيل Vaclav Havel هذه الجُمل
الجميلة بهذا
الصدد: "إن
الكون حدث
فريد و تاريخ
فريد، ولحد الآن
نحن نمثل النقطة
الوحيدة في هذا
القصة. ولكن
الأحداث
والقصص الفريدة
هي من اختصال الشعر
والأدب، لا للعلم.
ومع صياغة
المبدأ الكوني
الإنسي، وجد
العلم نفسه
على الحدود
بين الصيغة
والحكاية،
بين العلم والخرافة.
وبهذا، وفي مفارقة
تحوّل العلم
عن مساره،
متجها نحو
الإنسان من
جديد،
مُقدمةً له في
حُلة جديدة
كماله
المفقود.[50] الكون
المُتعدد Multiverse أمام
العودة القوية
للنزعة
الإنسية وللغائية،
أي التوجه ما قبل
الكوبرنيكي،
كان لا بد للعلماء
الذين يُعارضون
هذا النهج أن
يردوا. فأنتجوا
فرضية
مفادُها أن
الكون عبارة
عن "منطقة" من بين
عدد لا-متناهي
من المناطق
(أو الأكوان)،
جميعها
منفصلة عن
بعضها وغير
متفاعلة، والكل
يكوّن مجموعة كبرى
من الأكوان المُستقلة،
وهو نوع من
السوبر-كون، كون-متعدد،
نسميه Multiverse. إن
فكرة
الكون-المتعدد،
هذه ليست
بالجديدة. ولكن
الدعم العلمي
لهذا المفهوم حديث
جدا. ومن
المثير
للاهتمام أن
نلاحظ أن غالبة
المجتمع العلمي
حاليا، ممن
يُدافعون عن
هذه النظرية
للكون-المُتعدد
multiverse يقومون
بذلك على أسس
رفض فلسفية للمبدأ
الإنسي بقدر
ما يفعلون على
أساس مبادئ
كونية توفر
بعض الدعم
للنظرية.
وتشمل هذه
المبادئ الكونية،
بالترتيب من حيث
الأهمية: أ)
نظرية التضخم التي
تتوقع تشكّل
"فقاعات أكوان"
منفصلة سببياً
ومُستقلة، تتفق
مع رؤية الكون-المُتعدد
التي اقترحها أعداء
النزعة
الإنسية، ب)
فكرة إنتاج
أكوان من خلال
ثقب في نسيج
الزمكان، بحيث
يشكل نفقاً
نحو كون آخر...
في كلتا الحالتين،
تتشكل لدينا بلايين
الأكوان الصغيرة،
حيث تيوقع أن تكون
قوانين
الفيزياء والمعالم
مُختلفة في كل
واحد منها،
لدرجة أنها
تكاد تكون
جميعها عقيمة ماعدا
واحد أو
اثنين، ويكون
كوننا إذن هو الفقاعة
المحظوظة... اقترح ماكس
تغماك Tegmark أن
جميع العوالم
المُمكنة
منطقياً ستوجد.
ولكن هذا
الاقتراح غير
مُرض فلسفياً،
إذ كما يقول
سمولين Smolin: "إن التفكير
بهذه الطريقة،
يُمثل ببساطة تخلياً
عن البحث عن
تفسير عقلي.
لو تم الاعتماد
على هذا المنهج
في
البيولوجيا، لما
تم اكتشاف مبدأ
الانتقاء
الطبيعي..." ويقول
جورج إليس Ellis، عالم
الكون الجنوب-إفريقي
الشهير:"
بالنسبة لي، إن
تبني الكون-المتعدد
هو مسألة
إيمان مثل أي
اعتقاد ديني".[51] وفي
رأيي،
فإن
أقوى هجوم ضد الكون-المتعدد
هو ما نشره
بول ديفيس في
مقال صغير في
صحيفة
نيويورك
تايمز[52]
وأعاد الإشارة
إليه في كتابه
الأخير[53]. يقوم
ديفيس أولا
بإثارة نفس
اعتراض إليس الفلسفي
المبدئي،
ولكنه يذهب
إلى أبعد من
ذلك إذ يثير
مشكلة "فقدان
الواقع" والثقة
حتى في وجودنا
عندما نقبل بإمكانية
وجود عدة
عوالم في كون-متعدد
كبير. لماذا؟
لأنه إذا كانت
لدينا
مليارات من الأكوان،
فمن المحتمل
جدا أن تكون الحضارة
في أحدها قد
بلغت إلى
مرحلة من
التقدم بحيث يُمكنها
محاكاة أو حتى
خلق (من خلال ثقوب–سوداء
صغيرة كما
أشرنا أعلاه)
عوالم "حقيقية"
(أو تبدو كذلك)
لدرجة يُصبح
من الصعب
معرفة ما إذا
كانت
افتراضية/مُفتعلة،
أو كانت فعلا حقيقية.
بل يُمكن، من
خلال هذه
المحاكاة للعالم،
أن تخلق المخلوقات
الوهمية في
كون ما عوالم
وهمية أخرى، وهكذا
دواليك في
تعاقب عبثي من
العوالم-الفرعية،
كل واحد
افتراضي/واقعي
مثل غيره. حتى نحن
أنفسنا، قد نكون
نتيجة مثل هذا
العالم المُحاكى/المخلوق،
حيث تكون بعض المخلوقات
"آلهة" (خالقة)...
إن نظرية الكون-المتعدد
لا تشير فقط إلى
الخالق، لكنها
تخلق العديد،
كما أنها تُفقدنا
أي إحساس بالواقع
والحقيقة... المبادئ
ووجهات النظر
الإسلامية كما
سبق وأن ذكرت،
فإن القرآن والتراث
الإسلامي
حافلان بالإشارات
الى "التصميم"
وربما أيضا إلى
بعض الصيغ من
المبدأ
الإنسي. لنذكر بعض
الآيات من الكتاب
المتعلقة بفكرة
وجود كون
إنسي: §
إِنَّا
كُلَّ شَيْءٍ
خَلَقْنَاهُ
بِقَدَرٍ...
(الآية 49 من
سورة القمر) §
وَكُلُّ
شَيْءٍ
عِندَهُ
بِمِقْدَارٍ...
(الآية 8 من سورة
الرعد) §
وَالأَرْضَ
مَدَدْنَاهَا
وَأَلْقَيْنَا
فِيهَا رَوَاسِيَ
وَأَنبَتْنَا
فِيهَا مِن كُلِّ
شَيْءٍ
مَّوْزُونٍ (الآية 19 من سورة
الحجر) §
أَلَمْ
تَرَ أَنَّ
اللَّهَ
سَخَّرَ
لَكُم مَّا
فِي
الْأَرْضِ
وَالْفُلْكَ
تَجْرِي فِي
الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
وَيُمْسِكُ
السَّمَاء
أَن تَقَعَ
عَلَى
الْأَرْضِ
إِلَّا
بِإِذْنِهِ
إِنَّ اللَّهَ
بِالنَّاسِ
لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (الآية 65
من سورة الحج). §
أَلَمْ
تَرَوْا
أَنَّ
اللَّهَ
سَخَّرَ لَكُم
مَّا فِي
السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي
الْأَرْضِ
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ
نِعَمَهُ
ظَاهِرَةً
وَبَاطِنَةً
وَمِنَ
النَّاسِ مَن
يُجَادِلُ
فِي اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَلَا
هُدًى وَلَا
كِتَابٍ
مُّنِيرٍ
(الآية 20 من
سورة لقمان) §
وَسَخَّرَ
لَكُم مَّا
فِي
السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ
جَمِيعاً
مِّنْهُ
إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ
لَّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ
(الآية 13 من
سورة الجاثية) أظهر
جعفر شيخ إدريس،
وهو فيلسوف مُسلم
مُعاصر،
اهتماما
كبيرا بالمسائل
العلمية
الحديثة[54]،
ويرى في
الانسجام الموجود
بين مخلوقات
العالم إحدى الدلائل
على وجود
الله. ويؤيد
حجة "دليل
العناية"، التي
تقدم بها ابن
رشد، كما
رأينا سابقا،
وكتب يقول: "أما
في دليل
العناية فإن الصفة
التي نستدل
بها على وجود الخالق
هي في علاقة هذه
المخلوقات
بعضها ببعض،
أو في علاقة
أجزاء الواحد
منها ببقية الأجزاء.
إن كل متأمل للمخلوقات
يرى أنها ليست
كوما عشوائيا
من الموجودات،
بل هي مرتبة
ترتيبا
ومصمما
تصميما وراءه
غاية تدل على
أن لها صانعا
عالما حكيما."[55] أَلَمْ
نَجْعَلِ
الْأَرْضَ مِهَاداً،
وَالْجِبَالَ
أَوْتَاداً، وَخَلَقْنَاكُمْ
أَزْوَاجاً، وَجَعَلْنَا
نَوْمَكُمْ
سُبَاتاً، وَجَعَلْنَا
اللَّيْلَ
لِبَاساً، وَجَعَلْنَا
النَّهَارَ
مَعَاشاً، وَبَنَيْنَا
فَوْقَكُمْ
سَبْعاً
شِدَاداً، وَجَعَلْنَا
سِرَاجاً
وَهَّاجاً، وَأَنزَلْنَا
مِنَ
الْمُعْصِرَاتِ
مَاء
ثَجَّاجاً، لِنُخْرِجَ
بِهِ حَبّاً
وَنَبَاتاً، وَجَنَّاتٍ
أَلْفَافاً." (سورة
النبأ،
الآيات 6 الى 16) ويشدد
إدريس على الهدف
الغائي من
الخلق في الآياتين
الأخيرتين ("لِنُخْرِجَ
بِهِ حَبّاً
وَنَبَاتاً، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً")
حيث يشير حرف
اللام الى
فكرة غائية... ونشير
أخيراً الى أن
إدريس يستخرج الجانب
الإنسي من
الآيات
المذكورة
أعلاه، فيكتب:
"حتى تلك
الأفلاك
البعيدة لها تعلق
بكم، فكما أن
الأرض لكم
فراش فالسماء لكم
بناء أي سقف، والشمس
سراج بمدكم
بالنور
والحرارة اللتين
لا تكون أن تكون
بدونهما حياة بشرية
ولا حيوانية ولا
نباتية."[56]
يعزز الكاتب
هذا الرأي بآيتين
أخرتين: "الَّذِي
جَعَلَ
لَكُمُ الأَرْضَ
فِرَاشاً
وَالسَّمَاء
بِنَاء وَأَنزَلَ
مِنَ
السَّمَاءِ
مَاءً
فَأَخْرَجَ بِهِ
مِنَ
الثَّمَرَاتِ
رِزْقاً
لَّكُمْ فَلاَ
تَجْعَلُواْ
لِلّهِ
أَندَاداً
وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " (الآية 22 من
سورة البقرة)
و"وَجَعَلْنَا
السَّمَاء
سَقْفاً
مَّحْفُوظاً
وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا
مُعْرِضُونَ"
(الآية 32 من
سورة
الأنبياء). لنعد
الآن بعجالة إلى
ابن رشد لنؤكد
على حجته المزدوجة
"للخلق" و"الخير"
اللتان يربط
بينهما في
العالم: 1) كل ما
هو موجود هو
كاف لوجود البشر،
2) هذا الأمر لا
يمكن أن يكون
إلا نتيجة فاعل
أراد ذلك. إذ
يؤكد على أن الليل
والنهار، والشمس
والقمر، وكل
النجوم
الأخرى، كل
ذلك وُضع من
أجل فائدتنا،
وأن النظام
والترتيب
الذي وضعه الخالق
في حركات
الأجرام
السماوية
والأجسام
الأرضية كل
ذلك متناسب مع
ووجودنا وحياتنا
بل كذلك
الكائنات
الأخرى على
الأرض، لدرجة
أنه لو حذف
أحدها أو اتخذ
موقعا آخر، أو
سُرعة أخرى غير
ما وضعه الله له،
لتوقفت
الحياة عاى
الأرض، أي
وجود الإنسان
والكائنات على
سطح الأرض. ودائما
في الفترة
الكلاسيكية،
يجب أن نذكر
فخر الدين
الرازي (المفسر
الكبير
والمتكلم من القرن
الثاني عشر)، الذي
أكد في كتابه العظيم
"مفاتيح
الغيب" حقيقة
أن كل جسم لديه
نمط وجود خاص
به في العالم
المادّي، من
بين العديد من
الأنماط المُمكنة،
نمط مُحدد بدقة( "مُقدر
بمقادير
مخصوصة" )من
قبل الخالق، فمثلا
الأجرام
السماوية
لديها مدارات
زمنية
ومكانية
دقيقة،
تُظهر"تدبيراً
كاملاً" و "حكمة
بالغة". كذلك
يُؤكد الرازي
على أن جميع الأجرام
السماوية أو
الأرضية، الحيّة
أو الجامدة، قد
خلقها الله
بشكل يخدم
مصالح البشر.
وأخيرا يوجه الرازي
انتباهنا إلى
الترابط المُعقد
الموجود بين "النعم
الآفاقية" و"النعم
الأنفسية"
فينا[57]. أما في
العصر الحديث،
فهناك مفكران
مسلمان بالغا
الأهمية (ومختلفان
في نهجها
وتوجهاتهما الفلسفية):
محمد إقبال وبديع
الزمان سعيد
النورسي (7/1876-1960)، مُؤسس
حركة "النور" الدينية
التركية. وكما
رأينا سالفا فإن
إقبال غير
مقتنع بالحجج
العقلانية بشكل
عام و بالحجة
الغائية على
وجه الخصوص؛ وبالتالي،
فهو يرفض فكرة
الهدف المحدد
سلفا للكون،
لأنه من شأنه
أن يزيل عنه،
حسب الفيلسوف،
كل صفة إبداعية.
في حين أن سعيد النورسي
مُعجب بشكل
كبير بالتوازن
المنتشر في كل
جوانب الكون وبالتعاون
الواضح المرئي
في جميع أنحاء
الكون، وهذا يُمثل
بالنسبة له دليلا
حقيقيا على الوحدة
الإلهية. مهدي
غُلشاني هو
عالم فيزياء
وفيلسوف إيراني
معاصر يرى أن
القرآن
الكريم واضح
في اعتماده
على مبدأ "الغائية
(telos)، لذلك فإن
المتكلمين
المسلمين ظلوا
يأخذون بالاعتبارات
الغائية حتى
عندما أخرج العلم
الغربي عمدا وصراحة
هذا المبدأ من
مناهجه. وأخيرا
نود أن نشير
بسرعة الى
تفسير مدهش لآية
قرآنية قدمه فهيم
أشرف، وهو أستاذ
في كلية الشهادات
الحكومية (Government
Degree College)
في الهند، إذ يجد
إشارة الى
نظرية
الكون-المُتعدد
في الآية: "اللَّهُ
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ
وَمِنَ
الْأَرْضِ
مِثْلَهُنَّ
يَتَنَزَّلُ
الْأَمْرُ
بَيْنَهُنَّ
لِتَعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ
عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ
قَدِيرٌ
وَأَنَّ
اللَّهَ قَدْ
أَحَاطَ
بِكُلِّ
شَيْءٍ عِلْماً"
(الآية 12 من سورة
الطلاق)، إذ يربط
الكاتب أولا
بين مصطلح "سموات"
وبين مفهوم الكون،
ثم يرى أن إدراج
صيغة الجمع
(سبعة) إشارة
إلى التعدد،
وأخيرا يجد أن استخدام
صيغة الحاضر
في هذه الآية
مؤشر على وجود
هذه الأكوان اليوم،
كل واحد حسب "مجموعته
الخاصّة من
القوانين
الفيزيائية"[58]. مناقشة بعد
هذا
الاستعراض
الموجز لآراء
المفكرين
المسلمين حول
المبدأ
الإنسي،
علينا تلخيص
وتقديم بعض
الملاحظات الأساسية.
يبدو أن
المفكرين
والمعلقين
المسلمين قد أخلطوا
بين الكثير من
الجوانب
والصيغ حول المبدأ
الإنسي، إذ
كثيرا ما ربطوه
– وبشكل شطحي
ومتسرع - بمفهوم التسخير،
أي ما جاء في
القرآن من أن ما
يوجد في الطبيعة
قد سُخر نعمة للبشر؛
على سبيل
المثال: "أَلَمْ
تَرَوْا
أَنَّ
اللَّهَ
سَخَّرَ لَكُم
مَّا فِي
السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي
الْأَرْضِ
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ
نِعَمَهُ
ظَاهِرَةً
وَبَاطِنَةً
وَمِنَ
النَّاسِ مَن
يُجَادِلُ
فِي اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَلَا
هُدًى وَلَا
كِتَابٍ
مُّنِيرٍ"
(لقمان 20). لسنا
بحاجة لأن نوضح
الآن بأن هذا
لا يُعتبر
بالضبط
صياغة للمبدأ
الإنسي، فأكثر
ما يمكن أن نُطلق
عليه هو "صورة إنسية
للعالم" أو
حتى "المركزية
الإنسية"، أي
أن الكون لم
يبرمج فقط
لإنتاج
الإنسان، بل الخلق
كله قد وُضع
لخدمة الإنسان. لقد
سبق وأن أشار
ابن رشد إلى
أن كل الخلق
هو في توافق
مع وجودنا، وأن
معظم الأجسام
في الطبيعة (الشمس
والقمر على
وجه الخصوص)، الحية
أو الجامدة
ضرورية لرزقنا... ودون السقوط
في أي توجه توفيقي
ساذج، يبدو أننا
نقرأ في
القرآن بعض الإشارات
إلى هذا التكيّف
للكون، على
الأقل تناسب ما
مع " التكيّف الدقيق"
أو التوازن في
الطبيعة. لنذكر
بعض من هذه
الآيات: "إِنَّا
كُلَّ شَيْءٍ
خَلَقْنَاهُ
بِقَدَرٍ"
(الآية 49 من
سورة القمر)؛ "وَالسَّمَاء
رَفَعَهَا
وَوَضَعَ
الْمِيزَانَ " (الآية 7 من
سورة الرحمن)؛
"وَكُلُّ
شَيْءٍ عِندَهُ
بِمِقْدَارٍ" (الآية
8 من سورة
الرعد)... وتعليقا
على آيات "المقدار"،
على الأقل
بالشكل الذي يفهمه
ابن رشد، يقول
مارك جوفروا Geoffroy: "إن فكرة القدر/المقدار،
يجب أن تُفهم
هنا ككم مُقاس
وأيضا كتدبير،
تماما كما
نقول قدّر أي أخذ
تدابيره، فالخاصية
المعطاة للشيء
تمثل الاتجاه أو
الدور المقرر
له..." أخيرا،
نجد إشارة
طفيفة إلى
فكرة
"التوازن" أو
"التناسب" (التدقيق)
في الطبيعة عند
سيد حُسين نصر،
الذي يكتب: "لقد
خلق الله كل
شيء في نسب صحيحة
وفي تناسق،
ويتميز
العالم بهذا
الانسجام الرائع،
الذي يُعتبر بصمة
الوحدة (الإلهية)
في مجال التعدد
(الطبيعة)... هذا
التوازن
ينطبق على
جميع مُستويات
الواقع، من
الفيزيائي إلى
الكيمائي ومن النفسي
إلى الروحي."[59] ولكن
الصياغة
الشائعة
"للمبدأ
الإنسي"، أن
الكون كان قد بُرمج
ليتطور بشكل يسمح
بإنتاج
الإنسان، هذه
هي الصيغة
التي يغفل
عنها كثير من
المفكرين المسلمين.
بل يبدو لنا
أنه ربما تمّ
تجنبها عن قصد،
والسبب هو أن
هذه الصيغة تعتمد
على تصور ونسق
تطوُريّ
للطبيعة،
الأمر الذي
يبدو أن مسلمي
اليوم غير
قادرين على
اعتماده. وسوف
نعود في
خلاصتنا إلى
هذه الفكرة. الإسلام
و"التصميم
الذكي" لنعرج
الآن بسرعة على
مسألة لا
تستحق معاملة
تفصيلية، وهي الجدل
الذي ظهر
مؤخرا حول "نظرية
التصميم
الذكي". كما
ذكرنا في
المقدمة، يهدف
أصحاب "التصميم
الذكي" إلى إظهار
أن هناك في الطبيعة
حالات (أجسام)
تمثل جوانب من
"التصميم
الإلهي المباشر". دعونا
نقول أولا بضع
كلمات عن هذا النهج،
الذي يهدف ليس
فقط إلى المُعارضة
التامة لنظرية
التطور الداروينية
ولكن أيضا
وقبل كل شيء الى
تقويض أسس " المنهجية
المادية" للعلوم
الحديثة. أولا،
لا يمكن لأنصار
التصميم
الذكي أن
يرفعوا من
فرضيتهم الى مُستوى
النظرية (كما
يشار إليها
وتُثار في
الصحافة)، بما
أن لا أحد من
جوانبها، قد تأكد
ترتكز فرضية
التصميم
الذكي على
نقطتين
أساسيتين: التعقد
الكيميائي
الحيوي غير
القابل
للاختزال (لصاحبه
بيهي Behe)، وكمية
المعلومات البيولوجية
المحددة (لصاحبها
دمبسكي Dembski ). إن حجة بيهي
هي القول بأن
أجزاء بيو-كيميائية
(في كائنات
مثل الباكتيريا)
هي مُعقدة
بشكل "لا يقبل الاختزال"،
أي أنها تعمل
فقط عندما ترتبط
كل أجزائها،
التي لا يصلح
أي منها لوحده
لشيء. يستخلص
بيهي وأتباعه من
ذلك أن هناك "مصمما
ذكيا" قام بصنع
هذه الأجزاء، بما
أن وجود كل
واحد منها
(وبالتالي ظهورها
الطبيعي) لا
معنى له ولا
سبب يدعو
لتواجدها. في
رأيي، فإن هذا
المنطق هو من
نوع "الله حجة
من لا حُجة له"
(god of the gaps)، أي
اعتماد الله
كتفسير في
حالات لا
يستطيع المرء
أيجاد تفسير
طبيعي ما، وهو
نهج تم التخلي
عنه منذ زمن
لأنه قد أثبت عدم
جدواه في
العلوم خاصة،
بل هو منهج
خاسر وخطير
للمؤمنين. من جانب
آخر، فإن حُجة
دمبسكي أن
كمية
المعلومات "المُحددة"
(المحددة رياضيا
كما يتم في
ميدان علم المعلومات)
التي يمكن الكشف
عنها في الكائنات
الحية حتى البسيطة،
أكبر مما
تستطيع نظرية
التطور
الداروينية العشوائية
من تفسيرها بشكل
مقنع. هذا
النوع من
التفكير هو ليس
فقط علمي بل
رصين، حسب
رأيي، وإذا
نجح دمبسكي في
إثبات ذلك في
العديد من
الحالات، سيكون
قد قدّم ضربة قوية
إلى النظرية الداروينية
(ولكن ليس للتطوّرية
بشكل عام). وسيكون
الباب حينها مفتوحا
لفكرة التطور
المُوّجه (من
طرف الله)... ماذا يقول
المسلمون عن
كل هذا؟ أولا،
بخصوص جدل
التصميم
الذكي لم نجد
اهتماما من
طرف وسائل
الإعلام
والمعلقين،
كما حدث في
الغرب. ومن
بين المسلمين
الذين كانوا مُتحمسين
لهذه الفكرة
وآثارها
المحتملة،
فإن الغالبية
العظمى رحبت
بهذه القفزة
المضادة للداروينية،
فلن نتفاجأ
مثلا إذا
وجدنا نصا لهارون
يحيى بعنوان
"انهيار
الداروينية وانتصار
التصميم
الذكي".[60] كذلك
نجد لمصطفى أكيول
(كاتب شاب تُركي)
مقالاً مُطولا
يُبين البعد
"الحركي" لتيار
التصميم
الذكي، الذي شارك
فيه شخصياً...[61] وعلى
حد علمي،
المسلم
الوحيد الذي
كتب نصاً ضد
التصميم
الذكي، وهو نص
ذو قيمة معرفية
عالية في الموضوع،
هو أحمد ك.
سلطان سالم (وكان
حين كتابته
للمقال يُحضر رسالة
دكتوراه في علوم
الفضاء
والاتصالات
اللاسلكية في
جامعة ستانفورد)،
المقال
بعنوان "لا-علمية
التصميم
الذكي"[62]، والعنوان
لوحده يُبين
أن صاحبه يفهم
المشكل
الأساسي لهذه
الفرضية ولا ينخدع
بوعودها في "الانتصار
على
الداروينية"
و"تقويض أسس مادية
للعلم الحديث"
(وعود هارون
يحيى)... خُلاصات إن الحجة
القائلة بأن
الطبيعة والإنسان
والكون يُمثلون
وبوضوح علامات
على خلق دقيق
ومخطط، مما يُشكل
دليلا على
وجود خالق،
هذه الحجة
ليست جديدة،
إذ تعود على
الأقل الى
الثقافة
والحضارة
اليونانية،
ولكن عادة ما
ترد صيغتها الأكثر
"تطورا" الى
بيلي Paley (قياس
الطبيعة بالساعة
المصممة بدقة
ولوظيفة محددة،
مما يدل على
عمل "ساعاتي"،
أي الله)، إلا
أنني بيّنت في
هذا المقال أن
بعض المفكرين
المسلمين،
خاصة ابن رشد
قد سبقوا معظم
هذه الحجج
والقياسات.
كذلك أكدت على
أن حجج الصنع
هذه يمكن
العثور عليها
يانتشار كبير
في التراث
الإسلامي الكلاسيكي
والحديث،
سواء في القرآن
الكريم أو في التراث.
فقد أتيت
بالعديد من
الأمثلة في
الكتابات الإسلامية،
ولكن لاحظت
أنه باستثناء
ابن رشد، فإن الفلاسفة
لم يُعيروا
الكثير من
الاهتمام لحجة
التصميم، إذ لم
يجدوا فيها معنى
عميقا،
يُنسيهم
خصوصيتها القياسية،
مقارنة بالأساليب
الاستنتاجية
التي يفضلونها.
ولكن وجدنا
ابن رشد يصرّ
على أن هذه
الحجة تتسق
تماما مع آيات
الوحي كما تفيد
العامة والنخبة
معا، إذ يمكن
دراستها عاى مُستويات
متعددة من الفهم
و التحليل. لكن في
المقابل،
أشرت أيضا الى
أن نظرية
داروين قد أفقدت
إلى حد كبير لتلك
الحجة قيمتها
وسُلطتها "كدليل"
على وجود خالق
"صنع" كل الكائنات/الأشياء،
وأعطاها خصائصها
التي كثيرا ما
تكون مثيرة
للإعجاب من
خلال دقتها، إذ
صار بالإمكان
تفسير كل ذلك
من خلال مبدأ
التطور
وآلياته (الطفرات،
التي يفترض عادة
أنها عشوائية)
و كذا من خلال التكيّف
مع البيئة
(مبدأ
الإنتقاء
الطبيعي). لكن حُجة
التصميم لم تنته
في الحقيقة، بل
عرفت في الآونة
الأخيرة
انبعاثا
حقيقيا، حتى
وإن اتفق
الجميع على
حرمانها من أي
طابع علمي. غير
أن فريمن
دايسون Freeman
Dyson (المفكر
الفيزيائي
الأمريكي
الكبير) أصّر
على أن حجة التصميم
تحمل بعض
القيمة الفلسفية،
وحسب رأيه هي
حجة كلامية لا
علمية، ويقترح
منحها وضعا
"فوق علمي"[63]. ويوافق
مهدي غولشاني
على هذا الرأي
إلى حد بعيد
بالقول: "إن
حُجة التصميم
ليست فلسفية
بحتة... وليست كذلك
وببساطة استقرائية،
بل تتمثل قيمتها
الحقيقية في
كونها تضعنا على
الحدود بين
العلم والميتافيزيقا،
و تعطي مؤشرا على
وجود واقع
فوق-طبيعي."[64] وقد
عالجت أيضا،
بعناية
واهتمام
كبيرين،
النسخة
المعاصرة لحجة
التصميم، أي
"التكيّف
الدقيق" و"المبدأ
الإنسي". وشددت
على أهمية التمييز
بين الصيغتين،
فالأولى مقبولة
على نطاق واسع
من قبل العلميين،
والثانية فلسفية
أكثر وحتى ميتافيزيقية.
وأشرت الى أن
تعليقات
المسلمين
بشأن هذه
المسألة
كثيرا ما تميل
ليس فقط إلى
الخلط بين الصيغتين،
بل أيضا إلى ربطهما
بمفهوم "التسخير"
القرآني، الذي
يُمثل بدوره
رؤية إنسية "مركزية"
في العالم. وأخيرا
استعرضت
(بسرعة) فرضية "التصميم
الذكي" وحججها
الرئيسية، وقمت
بمسح للموضوع للكشف
عن تموقُع المسلمين
تجاه هذه
القضية
والجدل الدائر
حولها. رأينا أن
أغلبية
المسلمين قد سلبوا
بالخطاب
"ضد-الدارويني"
لهذه الفرضية
وقلة فقط من
دقّوا ناقوس
الخطر بشأن هذه
الاعتبارات
اللا-علمية. ما
قدمته هنا قد
يُعطي
انطباعا بأن
هذه التحاليل
العلمية
والفلسفية،
أي العودة الصاخبة
لفكرة
التصميم، واكتشافات
التكيّف
الدقيق
والانتشار
القوي للمبدأ
الإنسي، ينسجم
تماما مع
المبادئ والنصوص
والتفسيرات
والمعتقدات
الإسلامية. لكن
الأمر ليس بهذه
البساطة
والوضوح. صحيح
أن فكرة
الانسجام في
الكون، الخلق
مع وجود هدف غائي
مسطر ومعلوم
لدى خالق يعلم
كل شيء، وحتى
فكرة التصميم
أو "التخطيط الدقيق"
ليست متناسبة
فحسب ولكن
أيضا من السهل
العثور عليها
في النصوص الإسلامية. ومع
ذلك، فإن
الإسلام، على
الأقل في مفهومه
وتفسيراته
التقليدية، يجب
أن يستوعب
حقيقة أن المبدأ
الإنسي مُؤسس تماما
على نظرية
ونسق التطور: الكوني،
الفيزيائي والبيولوجي
على حد سواء. ولكن
هذا الأمر لا يزال
للأسف يطرح مشكلا
للغالبية الكبرى
من المسلمين،
بمن فيهم
النخبة. وتجدر
الإشارة إلى مُفارقة
أنه إلى جانب الإجماع
بالرفض لنظرية
داروين، فإنه
لا توجد صعوبة
بالنسبة
للمسلمين في
قبول علم الكونيات
(التطوري)
الحديث (من الانفجار
الكبير إلى تشكل
الأرض في المجموعة
الشمسية
وتطورها). ويجب
علينا أن
ندرك، في
الواقع، أن
العلم قد اعتمد
النسق
التطوري منذ
فترة طويلة، وقد
طُبّق من خلال
البعد الزمني
للكون وكذا في
جميع مستويات الوجود
والسلوك: الفلكي،
الفيزيائي، البيولوجي،
النفسي، الاجتماعي،
التاريخي،
الخ. إن
المبدأ
الإنسي لا
يأتي عكس هذا التوجه،
بل لا يمكن من
خلاله تصوّر
الإنسان، والحياة
والذكاء، على
أساس "مبدأ غائي"
إلا إذا اعتمدنا
مبدأ التطور
من لحظة الخلق
الى غاية نقطة
أوميغا W ("النقطة
النهائية" من
تطور الكون والعقل). ورغم
أن الخطاب
الإسلامي في
عمومه ضد
التطوّرية،
إلا أن التصور
الإسلامي
للعالم (بما
في ذلك
الإنسان وكل
الكائنات الحية)
يس بالضرورة
معاد
للتطورية.
فهذا مهدي غُلشاني يقول
"إن الاعتقاد
في آلية تطورية
لظهور الأنواع
لا يتعارض
بالضرورة مع
فكرة الخلق
الإلهي". ويستشهد
على سبيل
المثال بأبي
ماجد محمد رضا
الأصفهاني،
الذي لم ير أي
تصادم بين مبدأ
التطور وبين الإيمان
بوحدانية الله،
فحسب رأيه: "لا
يوجد في
القرآن أو
التراث
الإسلامي ما
يدفع إلى
الاستنتاج
بأن جميع
الأنواع قد
خُلقت على حدة..."[65] وفي
السياق نفسه، فإن
أيوب خان أمية[66]، يستشهد
بالجاحظ الذي
قدّم في كتابه
الشهير "كتاب
الحيوان" وصفاً
للطيور، التي
من خلال هجرتها
وأشكالها
أظهرت بوضوح علامات
تدّل على التغيّر
والتكيّف؛
وفقا لأمية فإن
الجاحظ قد ساهم
في مفاهيم التطور،
وأضاف أن كتاب
ابن مسكويه "الفوز الأصغر"
قد قدّم
المفهوم
الحديث لأصل
الإنسان على
أساس عملية التطور ... وأخيرا
أود سرد فقرة لابن
خلدون، المُؤرخ
وعالم
الاجتماع المسلم
الكبير (1332-1406)، الذي
كتب في "المُقدمة":
"انظر إلى
عالم التكوين،
كيف ابتدأ من
المعادن، ثم النباتات،
ثم الحيوان،
على هيئة
بديعة من
التدرج... ومعنى
الاتصال في
هذه المكونات
أن آخر أفق
منها مستعد
بالاستعداد
الغريب لأن
يصير أول أفق
الذي بعده، واتسع
عالم الحيوان وتعددت
أنواعه،
وانتهى في
تدريج
التكوين الى
الإنسان صاحب
الفكر والرؤية
ترتفع إليه من
عالم القردة
الذي اجتمع
فيه الحس والإدراك
ولم ينته الى الرؤية
والفكر
بالفعل، وكان
ذلك أول أفق الإنسان
بعده، وهذا
غاية شهودنا."[67] إذن
يمكن العثور
في التراث الإسلام
على تصور
للعالم تطوري
بشكل كامل
ومتناسق، ويجب
أن يكون طرحنا
تجاه النظرية
الدارونية أكثر
منهجية،
مبنية على
معرفة علمية
وفلسفية
وتراثية
واسعة ودقيقة
لا على ردور
فعل عاطفية
وتلقائية،
لأن ذلك يخرج
المسلمين، ليس
فقط من دائرة
النقاش
البناء حول
نظرية التطور
بل أيضا حول
مفاهيم مثل
حجة التصميم والمبدأ
الإنسي. وفي
الختام أود
التذكير بهدفي
من خلال مثل
هذه
المراجعات،
وهو أنه أولا لا
يمكن لإيماننا
اليوم أن يبنى
في معزل عن
التقدم
المعرفي
الكبير، وثانيا
أنه ليس فقط
ممكنا تأسيس
إيمان يتناسب
مع العلوم
الطبيعية
والإنسانية
الحديثة، بل
أن ذلك يقدم
لنا نوعا من
الإيمان المتزن
والمتناغم
كليا مع
أبعادنا
الإنسانية المختلفة... ربما
يحتاج ذلك الى
مراجعة لعلم
الكلام الإسلامي
الكلاسيكي،
أو على الأقل
التقليدي، ليأخذ
بعين
الاعتبار المعارف
الفلسفية
والعلمية الحديثة،
بما في ذلك
وخاصة مبدأ
التطور
الكوني،
البيولوجي،
والبشري، حتى يشمل
في نوع من
التوحيد
الحقيقي المبادئ
الإنسية الفلسفية
مع المفاهيم الطبيعية
والميتافيزيقية
للإسلام. ومن جانب
الآخر، يبدو
من المفيد أن
نُشير على العلماء
والمفكرين
المسلمين بالاهتمام
بجدية وعناية
المراجع
والهوامش: [1] Anna
Case-Winters, “The Argument from Design: what is at stake theologically?”, Zygon, vol. 35, no. 1, pp. 69-81 (March 2000). [2] Michael
Ruse, “The Argument from Design: A brief history”, in “Debating Design: from 3 مثلا:" السماوات
تحدث بمجد
الله والفلك
يخبر بعمل يديه"
(المزامير 19 : 2)، "اذ معرفة
الله ظاهرة
فيهم لان الله
اظهرها لهم، لان
اموره غير
المنظورة ترى
منذ خلق
العالم مدركة
بالمصنوعات
قدرته السرمدية
ولاهوته حتى
انهم بلا عذر،
لانهم لما
عرفوا الله لم
يمجدوه او يشكروه
كاله بل حمقوا
في افكارهم واظلم
قلبهم الغبي" (رومية 1: 19-21). [4] جون راي John Ray (1628-1705) : عالم طبيعية
مرموق
وفيلسوف
ولاهوتي ذو
صيت كبير.
كثيرا ما يعتبر
أب التخصص "التاريخ
الطبيعي" في
بريطانيا (http://www.ucmp.berkeley.edu/history/ray.html). [5] ريتشارد
بنتلاي Richard Bentley (1662 –1742: رجل
علم، ناقد
ولاهوتي
إنجليزي. [6]
وليام درهام William Derham (1657 – 1735)
: مفسر
أنغليكاني
مهتم كثيرا
بالفلسفة
والتاريخ الطبيعي،
نشر العديد من
الكتب
والمقالات
الهامة في
مجلة Philosophical Transactions. [7]
إليكم
استعارة بيلي Paley كما
وضعها في
بداية كتابه
الشهير كتاب "علم
الكلام
الطبيعي" (1809) : "أثناء
عبور أحد
الحقول،
لنفترض أن قدمي
ضربت حجرة، سألني
الناس من أين
جاءت هذه
الحجرة؟ يمكنني
الإجابة أنه من
الممكن التصور
أنها وُجدت
هناك منذ أمد
بعيد، ولا
يُمكن أن نثبت
أن هذا الرد عبثي.
ولكن لنفترض
أنني قد وجدت
ساعة، وتساءلنا
كيف حدث وأن
وصلت هذه
الساعة إلى
هنا، حينها يكون
من الصعب أن أقدم
نفس الجواب السابق،
أي أن الحجر وُجد
هناك منذ
العصور
القديمة. ولكن
لماذا لا يمكن
أن نقدم
هذه الإجابة بالنسبة
للساعة كما فعلنا
بالنسبة للحجر؟
للسبب التالي
ولا آخر: عندما
نأتي إلى
دراسة
الساعة، نرى
(ما لا نجده في
الحجر) أن
أجزاءها المختلفة
تم تصنيعها
وتجميعها
لهدف محدد، وهو
إحداث حركة العقارب
وأن هذه
الحركة هي
التي تعطي الوقت
خلال اليوم بشكل
دقيق. ولو
صنعت تلك
الأجزاء في أشكال
مختلفة، أو تم
تركيبها مع
غيرها من الأجزاء
بطريقة مختلفة
عما هي عليه،
أو أن حركتها
لا تنجز
المهمة التي نستفيد
منها حاليا. [8]
لغرض
توضيح حجته، قدّم
هيوم Hume
القياس
التالي: "إذا نظرنا
الى سفينة
كبيرة، يمكن
أن نعجب بذكاء
النجار الذي صنع
وجمّع مختلف
أجزائها،
وجعلها آلة
جميلة، معقدة
وتخدم
الإنسان بهذا
الشكل. ولكننا
سوف نستغرب
إذا اكتشفنا
انه في الحقيقة
ما هو إلاّ عامل
قليل الذكاء،
قلّد فن الآخرين
من خلال
محاولات عديدة
ومتكررة على
أزمنة طويلة،
مليئة
بالأخطاء زمن
الإعادات، سمحت
في الأخير من
تحسين ذلك العمل
تدريجيا حتى
أصبح" عظيماً
في أعيننا". . (Hume, ‘Dialogues Concerning Natural Religion’, cité par
Ruse, op. cit., p. 17.) [9] فريدريك
روبرت تننت Frederick Robert Tennant (1866—1957) :
مفسر ولاهوتي
وفيلسوف
إنجليزي،
يتبنى منهج استقرائي
في علم
اللاهوت
ويؤكد على
التناغم بين
العلم والدين. [10] Keith Ward, “Theistic Evolution”, in
Debating Design, eds. W. A. Dembski & M. Ruse (2004), p. 262. [11] John F. Haught, “Darwin, Design, and
Divine Providence”, in Debating Design, eds. W. A. Dembski & M. Ruse
(2004), p. 243. [12] مايكل بيهي
Michael
Behe
هو بيوكيميائي
أمريكي، أحد
أهم رواد تيار
"التصميم
الذكي"، أول
وأهم مساهمة
له هي كتابه
المعنون"صندوق
داروين
الأسود: التحدي
البيوكيميائي
للتطور" (Darwin’s Black Box: The biochemical challenge to evolution)،
الذي ظهر سنة 1996. [13] وليام دمبسكي
William Dembski هو عالم
رياضيات
وفيلسوف
أمريكي، وهو ربما
أبرز رواد تيار
"التصميم
الذكي"، من
خلال
مساهاماته الثرية
وكذا من خلال
التوجه الرياضي
الذي أعطاه
للتيار. خلال
حياته الفكرية
الحديثة نوعا ما
(ولد دمبسكي سنة
1960) نشر حوالي
ستة كتب أهمها
"الإستنناج
التصميمي:
إزالة الصدفة
من خلال الإحتمالات
الصغيرة" (1998“The Design Inference: Eliminating chance through small probabilities”). [14]
"فَلَمَّا
رَأَى الْقَمَرَ
بَازِغاً
قَالَ هَـذَا
رَبِّي فَلَمَّا
أَفَلَ قَالَ
لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي
رَبِّي
لأكُونَنَّ
مِنَ الْقَوْمِ
الضَّالِّينَ،
فَلَمَّا
رَأَى الشَّمْسَ
بَازِغَةً
قَالَ هَـذَا
رَبِّي هَـذَا
أَكْبَرُ
فَلَمَّا
أَفَلَتْ
قَالَ يَا
قَوْمِ
إِنِّي بَرِيءٌ
مِّمَّا
تُشْرِكُونَ،
إِنِّي
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ
لِلَّذِي
فَطَرَ
السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ
حَنِيفاً
وَمَا أَنَاْ
مِنَ الْمُشْرِكِين
"
(الآيات 75-79 من
سورة
الأنعام). [15] Majid
Fakhry, “The Classical Islamic Arguments for the Existence of God”, The Muslim
World, 47, pp. 133-145, 1957 (http://www.muslimphilosophy.com/ip/pg1.pdf). [16]
يعتبر
غالبا أن
مدرسة
"المعتزلة"
قد أسسها واصل
بن عطاء. [17]
بالضافة
الى شروحاته
وتعليقاته
الهامة حول أعمال
أرسطو، تشمل
مؤلفات ابن
رشد العظيمة
والمؤثرة:
"فصل المقال
(وتقرير) فيما
بين الشريعة
والحكمة من
الإتصال"
و"الكشف عن
مناهج الأدلة
في عقائد الملة"
و"تهافت
والتهافت". [18]
أنظر
مقال كريم
مزيان حول المبادئ
الفيزيائية
في علم الكلام
عند المعتزلة. [19] أنظر
مقدمة آلان دو
لبيرا Alain de
Libera
لكتاب مارك
جوفروا "ابن
رشد: الإسلام
والعقل" Marc Geoffroy, GF Flammarion, 2000, p. 19. [20] Macksood A. Aftab “Groundwork on
Islamic Philosophy” (http://www.ais.org/ maftab/philosophy.htm),
1999. [21] Majid Fakhry, Cairo, 1947, p. 45. [22]
الغزالي،
"الحكمة في
مخلوقات
الله"، دار إحياء
العلوم،
بيروت 1978. [23]
نفس
المرجع، ص. 15-16. [24]
نفس
المرجع، ص. 57. [25]
نفس
المرجع، ص. 109-110. [26]
مايكل
دنتون Michael Denton هو
بيولوجي
بريطاني
معاصر من أصل
أسترالي،
يقبل بمبدأ
التطور بشكل
عام لكنه يجد
نقائص كبيرة
في النظرية المعتمدة
اليوم، أشتهر من
خلال كتابه الهام
"التطور:
نظرية في
أزمة" (“Evolution – a theory in crisis”
(1985). [27] Michael Denton, “Evolution, a
Theory in Crisis”, Adler
& Adler, Bethesday 1985, p. 342 [28]
الغزالي،
"الحكمة في
مخلوقات
الله"، ص 103. [29]
نفس
المرجع، ص. 111-112. [30] Marc Geoffroy,
« Averroes – Discours Décisif », GF Flammarion, Paris 1996. [31] Alain de
Libera, “Pour Averroes”, in « Averroes – Discours Décisif » (M.
Geoffroy), p. 61. [32]
كل
المقتطفات
المقدمة هنا
من كتاب ابن
رشد "الكشف عن
مناهج
الأدلة" هي من
طبعة "مركز
دراسات الوحدة
العربية"
(إشراف د. محمد
عابد
الجابري)،
بيروت 2001، ص 162-168. [33] Muhammad Iqbal, “The Reconstruction of Religious Thought in Islam,”
Sang-E-Meel 2004 edition. [34] يعطي موقعه
http://www.harunyahya.com قائمة
من أكثر من 200
كتابا يحمل
اسمه، معظمها
مترجم لعدة
لغات، ناهيك
عن المنشورات
الإلكترونية
(أفلام
وثائقية على
أقراص مدمجة، الخ). [35]
في
كتابه "يعرف
الله بالعقل"( (Editions Arrissala, Paris, 2002 يكتب
يحيى ما يلي:" نرى أن الحفريات
القديمة تبيّن
أن الكائنات
الحية لم
تتطور
انطلاقا من
أشكال
بدائية، بل
تشكلت فجأة
وبشكل كامل.
إن غياب
الأشكال
الانتقالية لا
يقتصر على
الفترة "الكمبرية"
(Cambrian)، إذ
لا يوجد شكل انتقالي
واحد يؤكد على
"التطور التدريجي"
الذي أخرج
(على زعمهم)
أعضاء السمكة،
ثم الطيور،
وبعد ذلك
الحيوانات
الأخرى، كل
هذا لم يثبت
أبداً. كل نوع
حي ظهر فجأة
وعلى شكله
الحالي، الكامل
والنهائي،
وهو موجود في
حفريات
مصنفة" (ترجمة
من النسخة
الفرنسية ص 55). [36] نفس
المرجع ص 9. [37]
نفس
المرجع ص 17. [38]
نفس
المرجع ص 18. [39] أنظر
مثلا:
Zaghloul Al-Najjar, “Cosmological references in the Noble
Qur’ân”, http://english.islamway.com/bindex.php?section=article&id=102 [40] In: J. Demaret et D. Lambert, “Le Principe Anthropique: L’Homme est-il le
centre de l’Univers?”, Armand Colin, Paris, 1994. [41] Ibid. [42] Lee Smolin, “The Life of the
Cosmos”, [43] Paul Davies, “The Cosmic Blueprint:
New Discoveries in Nature’s Creative Ability to Order the Universe”, Simon and [44] Penrose Quantum Gravity 2, eds. C.J. Isham, R.
Penrose, D.W. Sciama, Oxford, 1981, pp. 248-9. [45] لقد كتب ديكي
R. H. Dicke في 1957:
"إن عمر الكون ’الآن‘ لا
يمكن أن يتخذ
أي قيمة، بل
هو مقيّد
بعوامل
بيولوجية... فإن
تغييرات في
القيم
الفيزيائية
الأساسية كانت
تجعل وجود
الإنسان غير
ممكن
وبالتالي إلغاء
هذا التساؤل" (R.H. Dicke, Principle of Equivalence and Weak
Interactions, Rev.Mod.Phys. 29, 355, 1957). وقبل
ذلك حتى، في 1903،
كان ألفرد
راسل والس قد
كتب (في كتابه
"مكانة
الإنسان في
الكون"): "إن
كونا شاسعا
ومعقدا مثل
هذا الذي يوجد
حولنا كان
ضروريا
تماما... من أجل
أن تكون
الظروف
ملائمة لتطور
الحياة الى المستوى
الأعلى الذي
يمثله
الإنسان" (ص 256-257
في نسخة 1912). [46] John D. Barrow & Frank J.Tipler, “The Anthropic
Cosmological Principle”, Clarendon Press, [47] Jean Staune, « Notre existence a-t-elle un sens ? :
Une enquête scientifique et philosophique », Presses de [48]
يعطي
ستون
التعريفات التالية
لهذه المبادئ: Ø المبدأ
الإنسي القوي
جدا": "إن
الكون ليس مهيأ
فقط لوجود
كائنات ذكية
من مثلنا، بل
لوجود كائنات
أذكى بكثير". Ø المبدأ
الإنسي
المدمر:" إن
التطور
التعقيدي مؤدٍ
لا محالة الى
التدمير
الذاتي
للحضارات المتقدمة،
وهي شيء مبرمج
في الكون". Ø
المبدأ الإنسي
القوي فعلاً: "إن
الأرض هي أحسن
مكان لظهور عقل
واعٍ قادرٍ
على فهم
الكون". [49] G.
Gonzalez et J. Richards, « The Privileged Planet », Regnery Publ., 2004 [50] خطاب
فاتسلاف هافل
"الحاجة الى
مفهوم التعالي
(الإلهي) في
عالم ما بعد
الحداثة"
الملقى في
قاعة الإستقلال
بفلادلفيا
يوم 4 يوليو 1994،
والمنشور في: The
Futurist, Juillet 1995, vol. 29, p. 46. [51] In: Michael D Lemonick & J.
Madeleine Nash, “Cosmic Conundrum”, Time, [52] Paul Davies,
“A brief history of the multiverse”, New York Times, [53] Paul Davies, “The Goldilocks Enigma:
Why Is the Universe Just Right for Life?”, [54]
أنظر:
"الفيزياء
ووجود
الخالق"،
الطبعة الثانية،
المنتدى
الإسلامي، 2001 [55]
نفس
المرجع، ص 54-55. [56]
نفس
المرجع، ص 56. [57] Adi Setia, “Taskhir, Fine-Tuning,
Intelligent Design and the Scientific Appreciation of Nature”, Islam &
Science, Vol. 2, 2004 [58] Faheem Ashraf, “Islamic Concept of Creation of
Universe: Big Bang and Science-Religion Interaction”, Science-Religion Dialogue - Spring 2003,
http://www.hssrd.org/journal/spring2003/creationunverse.htm [59]
ابن
رشد، الكشف عن
مناهج الأدلة
في عقائد
الملة، ص . [61] المقال
مُعنون "لماذا
يتعين على
المسلمين دعم
[حركة]
التصميم الذكي": Mustafa
Akyol, «Why Muslims Should Support Intelligent Design », http://www.islamonline.net/english/Contemporary/2004/09/Article02.shtml
(14 /09 / 2004) [62] Ahmed K. Sultan, « The Non-Science of Intelligent Design », http://www.islamonline.net/English/Science/2005/07/article05.shtml
(18 /07 / 2005) [63] Freeman Dyson, “Infinite in All
Directions”, Perennial Library (Harper & Row), 1989, p. 297. [64] Mehdi Golshani, “Does Science offer
evidence of a transcendent reality and purpose?”, Science & Islam, Volume 1, Number 1, June 2003, pp.
45-58. [65] Idem. [66] Ayub Khan
Ommaya, “Rise and decline of science in the Islamic world”, The World and I,
July 2001, Vol. 16, Iss. 7, p. 148. [67]
ابن
خلدون،
المقدمة (طبعة
دار الشعب، مصر)،
ص 88-89. |
|
|||||||||||||